المرأة.. مرآة بقلم الكاتبة هدى البني/ أيام كندية

المرأة... مرآة
 
من أسعد حالاً، المرأة العربية أم الكندية؟ 
 
في بداية الأزمة السوريّة، وأثناء متابعتي لأخبار الوطن الأم على إحدى قنوات التلفاز الكندية المحلية، ظهرت إحدى المذيعات المشهورات تغطي أخبار الحدث الذي استرق أنظار كل العالم، استوقفني مقطع فيديو أُخِذ لامرأة نازحة من أحد ضواحي دمشق كانت ترتدي المانطو الأسود وتلف رأسها بغطاء أسود وكذلك تغطي به ذقنها، كانت متربعة على الأرض، وفي حضنها رضيع ملفوف بغطاء وإلى جانبها طفل آخر تشحذ عليهما وتستعطف المارة. وعندما ركزت عليها كاميرا الفيديو و خاطبها المراسل الصحفي من أين أتت وكيف، ارتبكت المرأة ولم تعرف ماذا تجيب، ركزت على دك الجزء السفلي من غطائها في فمها ودنت أعلاه من عينيها فأصبح وجهها ملفوفاً كأحد أفراد النينجا، ثم متزعزعة ونظرها في الأرض، صارت تصرخ مستغيثة: "ساعدونا يا عرب، أين هي أمريكا، انظروا كيف جار علينا الزمان أنا و أولادي !!!  ثم بعد أن انتهى المشهد، عاد البرنامج إلى المذيعة الكندية الواثقة والمتألقة واللطيفة تتحدث بثقة عما يجري في المنطقة.  لقد هزّ هذا المشهد كياني منذ رأيته قبل يومين ولا تزال تبعة أفكاره تجرني بين كل الأقطاب والجهات.
 
لماذا يصرّ الغرب على تصوير المرأة المسلمة والعربيّة خاصة بأبشع صورها ويربطون بين حجابها وقلة حيلتها وجهلها؟ لكن هل أحضروا ما يصورونه من مخيلتهم؟ بعبارة أخرى، ألا تعكس هذه الصورة جزءاً كبيراً من الواقع؟ لكن هل يعقل أن يعمم الجزء على الكل؟ وهل تعتبر نسبة هذه المرأة ومثيلاتها  قلّة أم غالبية في العالم العربي والإسلامي؟ وإذا كانت الجواب هو تلك الأخيرة؟ فلماذا هذه هي حالنا؟ وما الأجدر بنا أن نفعله حيال ذلك؟   
 
على الصعيد الآخر، هل تمثل صورة هذه المذيعة كل امرأة كندية أو هل يصح تعميمها على أغلبية النساء في كندا؟ أتذكر فجأة ناطورة عمارتنا الكندية وقصة حياتها التي روتها لي في يوم من الأيام. هجرتها أمها هي وأخوتها الأربعة عندما كانوا صغاراً لأنها أدركت بأنها مثلية، فهربت مع عشيقتها! رباهم أبوهم على قدر استطاعته، وعندما كانت في الثالثة عشرة حملت من صديقها الذي تنكر لها ولجنينها، وما كان لها من خيار إلا وضع طفلتها منذ الولادة للتبني من قبل أسرة تستطيع التكفل بها. أثّرت هذه الحادثة على نفسيتها كثيراً، ولم تعد تذهب إلى المدرسة مثل باقي البنات، مع أنها أُعطيت فرصة مثل باقي اليافعات من عمرها، لكن لنقل بأن وضعها العائلي أثّر على حياتها الدراسية، ولم تتخرج حتى من الثانوية. أصبحت امرأة متمردة!  ثم، لتكسب قوتها وجدت نفسها تعمل بكل المهن الخدمية، أي باب تأتي منه النقود حتى لو كان من الدّعارة أو بيع المخدرات. ثم أصيبت بسرطان الرحم واضطرت لاستئصال أعضائها التناسليّة.  لم تتزوج ولم تنجبْ لكنها اضطرت للمساكنة مع رجل تعرفه للمشاركة في أجار شقتها الصغيرة، وعندما توفي هذا الأخير، اضطرت لطلب المعونات الاجتماعية والعمل بالأسود (العمل الغير مصرح به لغرض التهرب الضريبي). عبر السنين، تحولت هذه المرأة إلى وحش منهك وغاضب. كانت تصرخ على المستأجرين في البناء كما يعوي كلب البوليس على طريدته! ولكثرة الشكاوى، طردها مؤخراً صاحب البناء من العمل. 
 
هذه ليست قصة فريدة من نوعها، فقبل بضع سنين عملت ناطورة أخرى في نفس البناء الذي أعيش فيه. حضرت من مقاطعة كندية أخرى، قالت بأنها كانت تعمل فيها كممرضة. كانت زوجة لسنوات طويلة وأم لثلاثة مراهقين، ثم بدأت أعراض سن اليأس تغزو حياتها وحياة زوجها فكثر بينهما الخلافات على أتفه الأسباب، ووجدا مهرباً من خيبة الواقع في الإدمان على الكحول. ثم حصل معها حادثة قلبت حياتها رأساً على عقب: في سهرة عيد الميلاد دعت أسرتها للاحتفال سويّةً. أفرط الجميع بالشرب وانتهى الحفل المجيد بزنى المحارم. في اليوم التالي عندما استوعبت ما حصل حصلت شجارات مخيفة في العائلة ولم تتجرع هذه الصدمة وهربت مجدداً من الواقع لكن هذه المّرة غادرت مقاطعتها قادمة إلى مونتريال. لم تستطع العمل بالتمريض لأّنها لا تملك الترخيص اللازم، ولا تملك العزم للحصول عليه، فاختارت أن تعمل في البناء الذي سكنت فيه، خاصة وأن ّسكنها فيه يصبح مجانياً! ثم شعرت بالوحدة الشديدة فتعرفت إلى سائق شاحنة عاشت معه بضعة شهور إلى أن أصيب بحادث آذى ظهره ولم يعد قادراً على الكسب فمكث عندها فترة "طويلة بالنسبة لها". أراد هذا الرجل إصلاح العلاقة بينها وبين أولادها وتدخل كواسطة خير وأقنعها بأنها يجب أن ْتزورهم. المشكلة هي أنها لا تستطع أخذ إجازة من عملها، فقررت وصديقها أن يسافرا بضعة أيام دون علم صاحب العمارة، بيد أن حبل الكذب قصير، و عندما علم هذا الأخير فصلها من العمل، وفقدت السكن والمال، ثم فقدت صديقها الذي كان السبب في خسارتها، ولأنه لا يعمل، كما أن أولادها لم يرحبوا كثيراً بعودة أمهم كما كانت تأمل! 
 
لا يجب أن أعمم من قصة هاتين الإمرأتين عن حال المرأة الكندية. لقد قابلت في مدينتي نسوة أذهلنني بنماذج الشجاعة والكفاءة وعمق التفكير والإنسانية التي يمثلنها، لهنَ وأمثالهن أكبر الفضل فيما آل إليه حال المجتمع الكندي من مساواة في الحقوق والواجبات بين الرجل والمرأة، هنّ خير مرآة للمجتمع الذي يعشن فيه ويخدمنه ويريدن المحافظة عليه في أحسن حال للأجيال القادمة، لهن ّتحنى القامات احتراماً وُتنزل القبعات ولهن عميق الامتنان من كل أبناء وبنات هذا الوطن الجميل!   
 
ثم أسرح في فضاء الأفكار مجدداً...كم يوجد في العالم العربي نماذج نسائية ملهمة، محاربة صنديدة، منارة ثقافية، مثابرة وصابرة. لم تُكّرم حقّ تكريمٍ في مجتمعاتنا الذكورية الذي همّش المرأة عقوداً مديدة، لكنها بقيت صامدة ومستمرة بعطائها وستظل كذلك مادامت أيام الدنيا، فالمرأة شجرة حياة مثمرة! تتعاقب في مخيلتي صور لنسوة معاصرات تشرفت بمعرفتهن شخصياً أو سمعت عنهن أو قرأت لهن فكراً...تتصدر أول شمعة في حياتي (أمي) صور هذه النسوة بصورتها المثقفة والمنتجة في مجتمعها والصابرة على المرض ومحن الزمان لأنها مؤمنة. صورة أخرى تظهر لطبيبتي المسلمة الملتزمة التي صقلتها الأزمة السورية بقوة لتكشف عن معدن من ذهب صاف! كافحت هذه المرأة لتنال شهادة الطب البشري، ثم سافرت مع زوجها الطبيب إلى الخليج للعمل والادّخار، وأنجبت أربعة أولاد أحسنت تربيتهم. ولما عادت وأسرتها إلى دمشق استكملت مسيرة عطائها المهني. ولمّا باغتت الأزمة سورية لتعبث بأحلام كل ّأبنائها، وفي الوقت الذي هرب فيه كل من استطاع للنجاة بحياته ومستقبل عائلته، قرّرت هي أن دورها الجديد في الحياة هو تضميد جراح أبناء وطنها والمعترّ فيهم خاصة. لم يردعها خطر ولم تهزمها خسارة ، تحولت إلى جامعة: طبيبة و محسنة كريمة، و مناضلة لحقوق المواطن... ثم أتذكر تقريراً صحفياً أجري عن مدرّسة سورية اضطرت للجوء إلى المخيمات بسبب القصف، ولم تتقبل فكرة أن يبقى أطفال هذا المخيم بدون تعليم، فقامت بجمعهم وتدريسهم مجاناً وتأمين الموارد المتوفرة لذلك. "لا للجهل وللأمية" صاحت عالياً! لماذا لا تبث هذه النماذج المشرقة في الإعلام الغربي وإنما نقيضها تماما؟  لكن مهلاً، بالمقام الأول، هل نقدرها نحن – كمجتمع عربي- حق تقديرها ونعاملها بالاحترام الذي تستحقه؟ 
 
تعود بي ذاكرتي إلى آخر زيارة لي إلى دمشق حين تجمعت صديقاتي حولي تسألنني بشغف عن حال المرأة الكندية. "بماذا تصفينها؟" وأذكر جيداً أني شردت مطولاً بحثا عن جواب. كيف أصف المرأة الكندية بشكل موضوعي؟ ثم قلت: هي امرأة قادرة، حرة ومسؤولة في آن واحد... مقابل كل الحرية التي تتمتع بها هناك تكليف ثقيل.. 
- المرأة العربية مقموعة، ردت واحدة من صديقاتي، مسلوبة الحرية!
- ماذا عن الرجل العربيّ؟ هل هو حقاً إنسان حر؟ أم هو يمارس على حريمه القمع الذي عومل به في مجتمعه؟ ثم هل كل امرأة عربية أو مسلمة مقموعة ومسلوبة الحرية؟ 
مرت دقيقة صمت أردفت بعدها: " طوبى للمرأة الكندية لما حققته من إنجازات على الصعيد الإنساني والمجتمعي. لكن هل كل ما آلت إليه باختيارها صحيح و هل حقاً خير لها أن تقتحم كل الأعمال التي كانت حصراً على الرجال لما فيها من خصائص بعيدة عن فطرتها و تكوينها؟ ثم هل من الصحي نفسياً وجسدياً للمرأة تعدد العلاقات الغرامية الفاشلة في حياتها وتكرار الإجهاض؟ هل من الطبيعي أن تجد أكثر من نصف النساء في المجتمع وحيدات في الخمسينيات من عمرهن لهن ولد واحد (أو بنت) هجرهن ليعيش مع أصدقائه أو صديقته؟ هل من المقبول اجتماعياً أن تفضل العيش مع كلب يملأ عليها فراغها العاطفي وتصرف عليه ثروة تكدّ كثيراً في الحصول عليها؟ إن امرأة نمطية في نفس عمرها في العالم العربي قد تكون قد عاشت الأمومة على الأقل مع ثلاثة أطفال وأحفاد ربما وترقى في مكانتها الأسرية والمجتمعية، وقد لا تكون مضطرة للعمل حتى لإسكان أو إطعام نفسها فرجل العائلة يتكفل بذلك! قد تكون تصبر على زوج متسلط أو عائلته، لكن، ألا تضطر المرأة الكندية العاملة للصبر على مدراء وزملاء وعملاء تتعامل معهم بشكل يومي ليسوا بالضرورة ألطف من زوج المرأة الشرقية وبيت حميها؟ ".
 
تساءلت بعدها صديقة أخرى " من أسعد إذاً نحن أم هنّ؟ 
أجبتها: "أعتقد بأن أسعد النساء أينما وجدت هي تلك التي تتمتع بمحيط أسري يحبها وتحبه، تحظى بفرصها من الحياة من علم وعمل وأسرة، هي التي تستطيع ممارسة قناعاتها دون قسر أو نبذ من مجتمعها ونمّت مهاراتها فصار عندها فكر وإبداع وقرار.، هي هذه التي لم يتعد أحد على كيانها لأنها مخلوق لطيف ولين.  الموضوع ليس مقترناً ببلد أو جنسية، وإنما بالبيئة والظروف." 
 
 لقد أعجب الكلام صديقاتي لأنه مع كثرة الصور الإعلامية البراقة التي تغزو شاشاتنا- عن المرأة الغربية- صار عندهن -مثل كثير من النساء العربيات- عقد نقص سببها الأساسي جهلهن بالواقع الحقيقي لنظيراتهن الغربيات.  أتساءل هل تدرك المرأة الغربية ما تحظى به كثير من نظيراتهن العربيات من عز وتقدير؟  
 

مواضيع ذات صلة