أطول الأيام له نهاية بقلم الكاتبة هدى البني/ أيام كندية

"الشيء الوحيد الثابت في الحياة هو التغيير المستمر"
هيراقليطس *
أعزائي القرّاء، 
 
هبت رياح التغير مع قدوم الربيع وأشرفت رحلاتنا على الانتهاء. هل نفد الكلام وانقطعت عني الأفكار فجأة؟ لا! وحقاً لا يمل.. لكن الشركة العالمية التي أعمل في مقرها قامت بتغير هيكلتها فنقلت كل قسم العقود إلى فرعها في أمريكا، وبناء عليه سرحت كل الموظفات العاملات فيه. استلمت خبر التسريح بكثير من الصدمة والفرحة. فاجأني أن أتوجه إلى عملي في بداية الأسبوع لأستلم خبر التسريح.  أجفلني أيضاً أن مشواري في هذا العمل انتهى بمجرد انتهاء مسودة كتابي هذا. لكنني بصدق سررت كثيراً للخبر لأنني أثق بالقدر وأنتظر منه الآن تجربة جديدة مفيدة.
 
سأشتاق للنافذة. ما أكثر ما تهت في مشهد الأفق الممتد عبر النوافذ الزجاجية العريضة والسحب العملاقة التي تطير فيه بغض النظر عن حجمها الظاهري! مرة تخيلت نفسي فوق إحدى الغيمات برفقة رجل الثلج أراقب ما يجري على أرضنا الحسناء. ومرة أخرى تخيلت نفسي أخترق السحب باتجاه الشمس أنشد في رحلتي أحلامي الكثيرة وأبحث عن طريقة لتحقيقها. قد أشتاق للمكان، ففيه وجدت الأفكار المحصورة في نفسي حريتها المطلقة فانطلقت وأراحتني. قد يبدو هذا الحال مضحكاً لكنه الحقيقة. مع قلبك للصفحة التالية، أكون قد قلبت في حياتي صفحة جديدة إلى أخرى بيضاء، أرجو القدر أن نخطها سوياً بتجربة أكثر نجاحاً. 
 
وهكذا اعتباراً من الغد سيتوجب عليّ بدء البحث عن عمل جديد.  أختار أن أبدأ المشوار بابتسامة أمل فأنا أثق كثيراً بالقدر! 
 
خرجت من مقر الشركة تقودني قدماي في نزهة لأحيي الأشجار وأهنئها بظهور الأوراق والأزهار فرحاً بعودة الحياة. بعد مشي متعب في الحديقة جلست على مقعد تحت شجرة باكية، أراقب أزواج العشاق المارة و أبحث عن كيوبد ( آلهة الحب العمياء ) و سهامها العشوائية المتطايرة في السماء أسترجع ذكرياتي و زوجي عندما أصابتنا هذه السهام اللذيذة ، كنا نجوب أروقة دمشق و حدائقها فرحين باللقاء دون أن يعرف التعب طريقاً إلى جسدينا.  لا أنسى كيف كان ينتظرني متشوقاً في الحديقة التي تطل عليها شرفتي كما روميو العاشق، وكيف كنت أختلس النظر إليه من وراء الستائر أكثر خجلاً من جوليت. كم كنت حريصة على أن أبدو له مثل سندريلا في حفلة الأمير وكم كان يغرد لي قصائد الغزل في كل المناسبات. تلك أيام مرت و انقضت وستبقى  ذكراها ما حيينا. اليوم بعد طول السنين أنتظره بقلق لأزف له الخبر المزعج الذي سيوتر استقرارنا المالي إلى حين. 
 
غير أن مخاوف الإنسان أكبر بكثير من مشاكله في الواقع. ولعلها هي التي تخلق له أكثر المشاكل. لو تخلص المرء مما يسمى بالأفكار السوداء التي تحتّ أعصابه حتّاً و تستهلك دماغه و طاقته، فإن أكثر مشاكل الحياة تزول . قد يكون أحد أسباب المخاوف هو تجربة قديمة مريرة. غير أن التخلص منها أساسي للمضي إلى غد أفضل. والجدير بالذكر بأن مواجهة المخاوف هي أحسن طريقة لقهرها. سأبوح لكم بسر على أن لا تخبروا أحداً، ولو زلق لسانكم أو نسيتم، فاطلبوا ممن أخبرتموهم أن لا يخبروا أحداً: لم يكن هناك أخوف عندي من قيادة السيارة. إن تجربة الهجرة بكل تفاصيلها كانت أهون على أعصابي من تجربة تعلم القيادة. لازلت أذكر تماما الرعب الذي كان ينتابني أثناء فترة التدريب و خاصة عندما كان المدرب هو زوجي . كان يجلس إلى جانبي مثل آمر الدبابة يصيح بعنصره الوحيد المفزوع ويعطيه الأوامر، وأنا ببساطة لم أكن أسمعه لشدة خوفي من حادث أتوهمه. 
 
سرتني كثيراً الرحلة التي قضيناها سوياً في مجموعتي الأدبية هذه. أختم كلامي من البيت بعد أن استغرق مني الشرح والتنقيح والمراجعة وقتاً أطول بكثير مما قضيته في الكتابة في شركة التحنيط - عذراً – أقصد شركة التسويق العالمية. على أمل أن ألقاكم من جديد في مناسبات أخرى أود أن أنهي كتابي الصغير باقتباس من أغنية لحنها الرحابنة* وغردتها شحرورة العرب فيروز، بعنوان: سنرجع يوماً إلى حينا. 
 
سنرجع مهما يطول الزمان              وتنأى المسافات ما بيننا.
 
بوابة إلى عوالم هي مجموعة يوميات وخواطر جابت في ذهن امرأة سورية هاجرت مع أسرتها للعيش في كندا وعاشت التباين الثقافي والحضاري بين المجتمعين وكذلك صدمة الواقع مقابل الأحلام الوردية التي يعيشها كل طلاب الهجرة إلى القارة الأمريكية، ثم دونتها في كراسة وسكبتها في قالب أدبي يتسم بالصدق والشفافية والموضوعية.
 

مواضيع ذات صلة