ذوو النفوس الدنيئة يجدون لذة في التفتيش عن أخطاء الآخرين

بقلم الكاتبة هدى البني

مَنْ السبب؟

نحن في شهر شباط (فبراير) اليوم رمادي وقارس البرودة، وما سيكون يوم غد، بحسب ما ذكرته نشرة الأخبار. في مقر الشركة، نحن الموظفون نحاول ألّا نتابع كآبة السماء بسماع بعض الأغاني العصرية. يصادف أنّ سيلين ديون تصرخ بحنجرتها الذهبية أغنيتها المشهورة: "أنت السبب" (أغنية عاطفية تشكر فيها حبيبها على كل ما هي عليه من سعادة). من ألوم على كل هذا السقم الذي أشعر به؟ أريد أن أرمي صنارة الاتهام على أحدهم. الضحية الأولى، زوجي المسكين! لا ليس هو، لقد كنا نحلم بالهجرة سويّة. كنا نبحث عن وطن يجمعنا لأننا من بلدين مختلفين، كنا نظن بأننا بمجرد قدومنا إلى كندا سوف يحل الوئام على أسرتنا الصغيرة. لقد كان شريكي في كل حلم وخطوة وعثرة.

من إذاّ؟ هل هن زميلاتي في العمل اللواتي لا يردن إنهاء العمل بسرعة حتى لا ينقص من الأجر الساعي؟ أنظر في وجوههن. تحكي لي قسمات وجوههن قصص قهر وخيبة، هل يُعقل أن تكون الواحدة منهن قد أتت إلى العمل من بعيد وفي ظروف مناخية قاهرة كهذه لتنهي عملها في ساعتين أو ثلاث؟

رب العمل الخسيس؟ إنه يتباهى بملايينه أمام موظفيه الذين يساعدونه على كسبها، لكنه يعطيهم أبخس الأجور؟ ولكن، أليس هو صاحب فكرة ورأس مال ويعمل أكثر واحد في هذه الشركة؟ ثم إنه شخص محترف ولا يطالبنا بأي شيء غير قانوني أو غير متفق عليه؟ ثم ألم نأتي هذا العمل بأرجلنا لكسب رزقنا؟ ثم خلال ثوان تذكرت أحداث ليلة أمس وعرفت مَن السبب. نعم، هي جارتي الشمطاء أم جمال. لقد عكّرت مزاجي بشدة ليلة أمس: اضطررنا لمغادرة البناء بسبب صفارة الطوارئ. كنت في الحمام عندما دوى صوت الإنذار واضطررت أن أخرج على عجل شديد لأهدّئ من روع ابنتي الصغيرة التي ذعرت من ضجيجه. خبأت شعري المبلول بقبعة سميكة وارتديت وصغيرتي أسمك ما عندنا من الثياب وخرجنا إلى الشارع خوف الحريق. هناك عند مخرج الطوارئ كانت جارتي (أم القباحة) تقف لوحدها بعيدة عن بقية الجيران المتجمعين أمام المدخل الرئيسي، تدخن سيجارتها بغضب، ولما أكملتها رمتها على الأرض ودهستها ثم أشعلت غيرها. ترددت قبل أن أسألها لكن اضطرابي تجاه الموقف غلبني، فسألت "ما الأمر؟". 

- أكيد واحد عربي مسلم من سكان البناء هو من فعل هذا! أجابت بغضب واحتقار شديدين. " هم أهل المشاكل كلها- لعنة الله عليهم! " بعد صدمة استمرت لعدة دقائق، وجدت لها جواباً ارتجالياً: " لقد رأيتك قبل يومين ترمين بكيس القمامة من شباك منزلك، ثم تفزّر على حديقة البناء المشتركة. أنت من يفتعل الضرر لساكني هذا البناء!" أدرت ظهري واتجهت إلى جموع الجيران المحتشدة أمام البناء الذين كانوا يقضون الوقت بالتعرف على بعضهم بمودة! اجتمعت بهذه المرأة بالصدفة في مدخل البناء قبل بضعة أشهر. توحي تجاعيد وجهها وانحناء ظهرها بأنها في أواخر الستينيات من العمر. ملامحها عربية وغطاء رأسها حجاب إسلامي. وددت الترحيب بها فخاطبتها ببشاشة: " السلام عليكم، حضرتك جارة جديدة في البناء؟ " عبست المرأة فجأة، أسدلت حاجباً ورفعت آخر، والتصقت شفتاها بذقنها المدبب. ثم أخذت تتفرس في وجهي بل وكل جسدي. ردة فعلها هذه جعلتني أعيد النظر في سؤالي، هل تفوهت بشيء خاطئ؟ لعلها لا تعرف العربية وأحرجتها بلغتي، لعلها صماء مثلاً؟ ثم قطع جوابها سلسلة شكوكي:

-نعم، أنا جديدة هنا. أجابت بلؤم. - تشرفنا يا خالة، أنا هدى أسكن في الشقة 330، قلت وقد فتر حماسي، "وحضرتك؟" - أم جمال! راودتني في لحظتها خاطرة قديمة، نزوة غضب أصابتني حين استلامنا والدتي وأنا بطاقات دعوة لحضور حفل زفاف أحد الأقرباء، كتب عليها: إلى حرم السيد محمد البني وكريمته. لم يزعجني آنذاك نسبي لأبي الغالي، ولكن فكرة تبعية المرأة المفرطة للرجل لدرجة تجاهل اسمها المدني وتعريفها ب "حرم السيد فلان أو أمه أو ابنته". "أليس لديك اسم؟ سألتها في نفسي مستنكرة!" لكن ما نطقته شفتاي هو: - الله يسلم لك ابنك. لكن ما اسمك؟ - أم جمال، أجابت بلؤم أشد، وكأنني شتمتها! عندئذ انتبهت بأنني أفرض نفسي على هذه المرأة وأزعجها فحييتها مودّعة. - بالتوفيق، عن إذنك. قبل أن أدخل في مصعد البناء، سألتني بفظاظة "هل هناك كثير من العرب والمسلمين في هذا البناء؟"

تظاهرت بأنني لم أسمعها لأن السؤال سقط على سمعي كريهاً وأقحمت نفسي في المصعد هرباً من هذه المرأة. شاءت الصدف أن أقابلها بعد بضعة أسابيع في مدخل البناء مع ابنها جمال. لأني تعلمت وجوب السلام على الجيران في مجتمعي، سلمت عليهما باقتضاب فردا لي التحية بعبوس جعلني أدرك أن ما تعلمته من قيم بين أهلي ليس بالضرورة صالحاً في كل مكان! ثم حصل أن قابلت كذا مرة عند مدخل البناء شابة لطيفة وبشوشة علمت لاحقاً بأنها كنّة أم جمال وتزورها من وقت لآخر مع ولديها بناء على رغبة زوجها. دردشت معها لأعرف المزيد عن هذه المرأة. نزح أهلها عن روسيا إلى لبنان بعيد الحرب العالمية الثانية. كانت يتيمة الأب منذ طفولتها ورعتها أمها الخياطة وعلمتها مهنتها. تولعت بابن الجيران الذي كان يدرس في الجامعة وأوقعته في شباكها، ثم تزوجته رغم أنف عائلته التي نبذتها بسبب أصلها الوضيع. كانت شديدة الغيرة على زوجها الشاب لدرجة أنها قتلت قطة العائلة التي كانت تتخذ من حضنه مهداً.

هاجرت مع زوجها وولديها إلى كندا في بداية الحرب الأهلية اللبنانية. هجرها زوجها بعد حين. صرّحت بأن فشل زواجها يرجع إلى أن عادات اللبنانيين وأفكارهم لم تكن بمستواها... أنجبت هذه المرأة ولدين جمال وناصر. ورث عنها ابنها البكر شكلها وطباعها وتبنى عجرفتها فأحبته وقرّبته، أما ناصر الذي شابه أباه، فهو المغضوب عليه. لا تتحدث هذه المرأة إلّا العربية، وهي مسلمة أباً عن جد، عاشت أكثر عمرها في لبنان وحصلت بزواجها على جنسيته! لكنها كرهت مجتمعها منذ ظهور بوادر الحرب الأهلية. ومنذ هجرتها إلى كندا صار عندها أزمة هُوية. لم تدرس ولم تعمل، بل تحججت بتربية الولدين كل عمرها. طلّقها زوجها بسبب مرض العُصاب الذي أصابها، فقد صارت تتملكها نوبات غضب لا تلجم ولا تحتمل. أولادها تزوجوا وهجروا المنزل، فآل بها المطاف إلى جوارنا.

مرّت عقود من الزمن وأم بشاعة مواطنة كندية. لم تشأ أن تتعلم أيّاً من لغتيها الرسميتين. وكذلك لم تشأ أن تعمل مع كل معرفتها بالخياطة. حاولت مرة وتحججت بأن أصحاب العمل طردوها لأنها مسلمة ومحجبة، وأتساءل لماذا وظفوها أصلاً! كان بإمكانها تغيير هويتها التي تخجل منها وكذلك دينها الذي لا تفتأ تتجرأ عليه. كان بإمكانها أن تبدأ من جديد، لكنها بقيت في عقلها المتحجر. هرباً من نفسها تحاول أن تلوم أيّاً كان، ولا تجد خيراً من هؤلاء المستضعفين. ليست أم قباحة الوحيدة من أبناء جلدتنا الذين يتطاولون علينا بغياً. في أحد المناسبات الدينية تعرفت بالصدفة على رجل عربي كان يبيع القطع التراثية. أوّل ما حدثني به بعد اسمه، هو أنه يتجنب المجتمعات العربية والإسلامية خاصة. علّقت يومها ببراءة " ليست كل أصابعك مثل بعضها!" ثم دارت الأيام وحصلت مناسبة أخرى اجتمعت فيها بنفس الشخص الذي نسيني بالكامل، وأعاد على مسامعي ديباجة استعلائه على العرب والمسلمين... هذه المرة سألته " لكن لماذا تحضر مناسباتهم الاجتماعية وتعرض عليهم بضاعتك؟ فأجابني بوقاحة بأنه يعطيهم فرصة!

لمحته مرة ثالثة ورابعة يبيع بضاعته في أعياد إسلامية فأدرت وجهي عنه باستحقار. لقد سرحت مطولاً وأنا أحاول أن أجد أي عذراً لهؤلاء، أهي تربيتهم الخاطئة؟ أم تجربة مرّة؟ أم هو تساهلنا تجاه من يتطاول علينا؟ هل نحن أيضاً السبب؟ مرّ يومي في العمل سريعاً بعد أن جابت أفكاري عالم اللازمان واللامكان. في طريق عودتي إلى بيتي صادفت حارس البناء الذي أخبرني أن أحد جيراننا عاد سكراناً إلى بيته ونسي مقلاته على الطبّاخ الكهربائي فاحترقت ونتج عن ذلك كل تلك الفوضى!

إلى اللقاء في العدد القادم!

بوابة إلى عوالم هي مجموعة يوميات وخواطر جابت في ذهن امرأة سورية هاجرت مع أسرتها للعيش في كندا وعاشت التباين الثقافي والحضاري بين المجتمعين وكذلك صدمة الواقع مقابل الأحلام الوردية التي يعيشها كل طلاب الهجرة إلى القارة الأمريكية، ثم دونتها في كراسة وسكبتها في قالب أدبي يتسم بالصدق والشفافية والموضوعية.

مواضيع ذات صلة