غيوم داكنة دقات الساعة السورية أوقفتها رحى الحرب

غيوم داكنة 

دقات الساعة السورية أوقفتها رحى الحرب

عامر فؤاد عامر


تمّ عرض الفيلم السينمائي السوري "غيوم داكنة" مؤخراً، في صالة سينما الكندي دمر، للمخرج أيمن زيدان، وهو التجربة الإخراجيّة الثانية سينمائيّاً، وثّق الفيلم خلالها مشاهد سوريّة حيّة عايشها الناس زمن الحرب، وعانوا مرارةً تكاد لا تشبه أيّ نوعٍ من الحروب العالميّة، وعلى الرغم من قساوة القصّة وعرضها متاعب وهموم الشخصيّات إلا أنها استعراض فنّي حقيقي يروي الحال من دون تطرّف لجهةٍ من الجهات أو انقياد لصورة نمطيّة لطالما وقعت فيها معظم أفلام المؤسسة العامة للسينما.
تعاني قرية سوريّة دمار الحرب، بيوتها مهشّمة، سكانها تائهون، كبارها يخشون كل جديد، وصغارها يعيشون مرغمين، كلّ شخصيّة لديها حلمٌ باهت، والأمل يكاد يخبو في القصّة إلا من بعض المشاهد القليلة، لكن الخيبات مستواها أعلى، وحتى الحبّ وُلدَ محكومٌ عليه بالموت، ومع محاولة كلّ خطّ من الخطوط بأن يحيا يُحكم عليه بعبثيّة جديدة، والغيوم داكنة لكنها لا تريد أن تمطر!
"الوقت بيحلها" يقول العم "رامز عطا الله" هذه العبارة، مع محاولاتٍ كثيرة لإصلاح ساعة الحائط العتيقة، ويبدو أن الزمن حالة أساسيّة اعتمدها المخرج ليضبط إيقاع الفيلم على عدّة مستويات، التحدّي جاري بين سكان القرية ورغبتهم العيش، وهم يعلمون أن الموت انتصر على الجميع، وفي نفس الوقت لم تعد تنفع حكمة الكبار، فها هو العم ينسى حدسه الدّاخلي ويقتنع بخبر وفاة ابنه الكبير "جود سعيد" وجثته غير موجودة، فيسعى بسطوته ليعقد قران الأرملة "لمى بدور" على ابنه الأصغر "حازم زيدان"، لكن الحقيقة واضحة، وتقع بعد حين إذّ عاد الأخ الأكبر كقنبلة موقوتة تشظي البيت بدلاً من الفرح بعودته سالماً.
في مستوً آخر يلعب الفنان محمد حداقي دور المجنون الذي يمثل عدّة شرائح في المجتمع منها الواعي الذي لا يريد أن يدرك الحقيقة، ومنها الذي سلّم نفسه للجنون فعلاً، ويبدو أن الجنون وقتاً يضبط حكاية الفيلم، أراد المخرج من خلال هذه الشخصيّة ضبط إيقاع حسّاس، فالجنون أحياناً يبعث بالحقيقة ليصبح إبداعاً لكنه في الواقع السوري بعث بالخراب والإغراق أكثر في الحزن وتدمير الذّات الفرديّة والجماعيّة.
كان للكلمة وأسلوب الرواية دورهما منذ بداية الفيلم، ورجاء "لمى بدور" تيقظ فينا أحاسيس تقربنا من هموم الشخصيّات، لكن في مستواً آخر تُذكرنا رسائل الحبّ بين الطبيب "وائل رمضان"، وحبيبته القديمة "لينا حوارنة" بزمنٍ جميلٍ وحبٍّ نقي لم يتكلل بالنجاح، وتأتي وقتيّة الحرب لتنهي القصّة بمرارة أوسع، فتُرمَى الرسائل لتتطاير حروفها بين قبور الموتى، وتأخذها الرياح للنسيان، ويُقتل الأمل.
استعرضت الحبكة بكلّ بساطة مصير الشخصيّات المُدمَّرة بسبب الحرب، ولم تقفز بنا إلا لواقع حقيقي يشبهنا، لكن اختلافاً بسيطاً عرضته شخصيّة الفتاة "نور علي" التي تحلم بالهجرة بحثاً عن مكان وحبّ جديدين، ولو بالاحتيال على شريكٍ مؤقت "علاء قاسم"، هي ترفض الحاضر ولا ترى أملاً في البقاء لانتظار مستقبل أفضل، وتقول لرفيقتها "صرنا نعفش لحظات الفرح تعفيش"، كلّ ذلك بعكس باقي الشخصيّات التي إمّا تنتظر موتها أو تعيش لأنها يجب أن تعيش.
تأخذنا حركة الكاميرا في سحرٍ خاصّ، فهي من اللقطة الأولى للفيلم تبيّن قساوة الفراغ وهجران الناس لأماكنها، وعين السماء التي تراقب أقدار أهل المكان تقول بصورةٍ غير مباشرة أنه لا يمكن لإرادة الإنسان تجاوزها والتغافل عن قرارها القطعي، وكذلك في مشهد الختام حيث تلتقط الكاميرا حركات الطفل "ديفيد الراعي" الذي يراقب موت الطبيب، وينظر مختنقاً إلى السماء يبحث عن إجابة لا يعلمها، أيضاً الكاميرا كانت أسيرة حالة الروي فاستعراض الدمار والحطام والخراب حالة مستمرة من بداية الفيلم حتى نهايته، ودورها هنا توثيقي وروائي في نفس الوقت، خاصّةً وأن الإطارات لعبت دورها في كثيرٍ من التفاصيل فتنتقل الكاميرا من شباك إحدى الشخصيات إلى باب بيت عائلة أخرى، إلى زوايا حادّة تشير لصعوبة العيش والاحداث التي سيطرت على الجميع.
يبدو أن التلوين جاء داكناً كما العنوان، يضفي ثقلاً من نوعٍ خاص أراده الإخراج والتصوير "فرانسوا كوبيه" و"مازن عسكري"، أمّا الموسيقى "سمير كويفاتي" واكبت إنسانيّة الشخصيّات وتحديد مصيرها، وعلى الرغم من سوداوية الأحداث إلا أنها خففت على المتلقي كثيراً، ولعبت دور المواساة أكثر من الإغراق في أحزان القصّة، ولا غرابة في الأزياء  "رجاء مخلوف"، والإكسسوار فكلّه خدم الزّمان والمكان، ويلفتنا هنا اللعبة التي علّقها المجنون بين أكوام الخردة، وخطابه الذي علّق فيه إخفاقات البلد، والمشاكل العامّة على هذه اللعبة، وهي جمادٌ لا حول لها ولا قوّة، وللمونتاج "أسامة عبود" دوره في إيضاح القصّة لكن في بعض المشاهد زادت لحظات الصمت عن وقتها المفترض، فكانت انتظاراً زائداً.
فيلم "غيوم داكنة" يحمل صور جماليّة على الرغم من رواية تفاصيل الحرب والدّمار، التكثيف عالٍ، راعى المخرج فيه عدم إقحام المتلقي بمشاهد الدّماء والقتل التي تقع في فخها أفلام أخرى تُعدّ من نفس الصّنف، فكان ينتقل من مشهدٍ لآخر مُحافظاً على مشاعر المتلقي، وكأنه يراعي ما في حياتنا من هموم وتثاقل يومي خزنته الظروف، لذلك يمكن لمعظم الشرائح المتابعة، على الرغم من خلوّه من حالة الأمل التي كان من المحبّذ أن تكون ولو في المشهد الأخير فقط.
غيوم داكنة فيلم سوري من إنتاج 2019 للمخرج أيمن زيدان، ومن تأليفه والكاتبة ياسمين أبو فخر، وبطولة: وائل رمضان، محمد حداقي، رامز عطا الله، لينا حوارنة، حازم زيدان، علاء قاسم، لمى بدور، نور علي، مازن عباس، محمد زرزور، جود سعيد، والطفل ديفيد مهاد الراعي.

 

مواضيع ذات صلة