قلوب ملأى بالألم والأمل بقلم الكاتبة هدى البني

قلوب ملأى بالألم والأمل بقلم الكاتبة هدى البني

بدأت قصة سحر باتصال هاتفي من عائلة خاطبة لابنها في مونتريال عند زيارتهم جميعاً لطنجة، عن طريق إحدى المعارف. طارت وعائلتها من الفرح منذ الاتصال الأول، فهم عائلة متوسطة وابنتهم في الثامنة عشرة وليست من عشاق الدراسة. العريس كندي، ميسور كما يدعي، رياضي، ويريد ابنة بلاده الزينة. بهذه المواصفات رأوه شمس المستقبل المضيء. ثم كان المهر العالي حبراً على ورق، والعرس الفخم الذي رقص فيه العروسان بفرح غامر على أغنية " غارت مني كل الناس". ثم وبعد انتظار ثمانية أشهر لاستكمال معاملة الوصاية، طارت العروسة لتنضم إلى حاميها في " الجنة"، وكان ذلك اليوم الموعود مع الصدمة.

أول انطباع عن الحياة الجديدة هو لفحة برد شباط القارصة التي لطمت وجهها كصفعة بمجرد الخروج من الطيارة. كان زوجها الذي يعيش مع أمه وأخته بانتظارها لوحده في المطار، لأن أمه تنزعج من خضخضة المواصلات العامة. كان عليها طبعاً أن تساعده في جر الشنط الثلاثة إلى موقف الباص، ثم الانتظار مدة ربع ساعة في درجة حرارة ناقص اثني عشر (-12) لحين وصول الباص، ومثلها أيضاً عند التبديل إلى باص آخر. أحست بأن أسنانها في فمها المغلق قد تجلدت على شفتيها من الداخل. ثم وبعد رحلة السفر الطويلة والتنقل بين الباصات، وجب استخدام المترو لأن البيت بعيد، وبعد ساعة استغرقتها في المواصلات، وصلا إلى الشقة في الطابق الثالث في عمارة قديمة وقذرة. روائح الطبيخ المقززة تفوح في ممر البناء وأصوات بلغات لا تفهمها تجد طريقها عبر الحيطان. عندما فتحت حماتها وشقيقة زوجها الباب لاستقبالها، لم تكن قادرة حتى على الابتسام لشدة ما كانت شفتاها متجمدتان من البرد. كذلك فإن عش الزوجية هذا بدا لها من اللحظة الأولى كزريبة.

الشقة صغيرة جداً تتألف من غرفة جلوس ضيقة من ضمنها ركن الطعام وركن المطبخ، ثم غرفتي نوم صغيرتين متقابلتين. أرضية الشقة الخشبية متشققة بوضوح وجدرانها وسخة، أثاثها رث ومهترئ، وبالإضافة إلى صغر حجمها، كانت ممتلئة بالخردوات. في صدر الغرفة فاترينة قديمة بعض أبوابها مخلوعة، وتتكئ على ثلاثة أرجل وكومة من الكتب محل الرجل الرابعة، وفيها صحون وكؤوس تختلف كل واحدة منها عن الأخرى، ويملؤها التراب. الكنبات في الصالة كل واحدة مرقعة بقماش مهترئ يختلف عن الآخر. الأسرة في غرفتي النوم خفست من الأوزان التي تستلقي عليها. أعيد استخدام بعض شنط السفر الممتلئة بتحويلها إلى طاولات في الزوايا لوضع مزيد من الخردة. لم تكن سحر لتتخيل أن أسرة " كندية" تسافر إلى المغرب كل سنة للسياحة تقطن في مكان وضيع كهذا، وأن يكون لهذه الأسرة ذوقاً متصدأ. كتعليق على صدمتها الواضحة، قالت حماتها " تعرفين يا سحر، خسارة أن نستثمر أموالنا في بيوت الآجار".

- لكن أنتم تسكنون هذه الشقة منذ ثماني سنوات على حد علمي.

- إيــــــــــــــــــــــه، المكان بأناسه، ألست فرحة بلقائنا؟

- طبعاً! حصلت بعض المجادلات بين سحر وزوجها قبل قدومها حول السكن، فهي كانت تريد القدوم مباشرة إلى شقة أحلامها لكنه كان دائماً يجيبها بأنه سيصبر وينتظرها حتى تأتي وتختار الشقة التي تعجبها والعفش الذي تتمناه. تفاجأت سحر أيضاً بأن حيطان الشقة الحالية من الخشب المضغوط وكذلك أبوابها وهكذا فهي غير عازلة للصوت، وهذه الأخيرة بدون أقفال. وعليه فقدت العروسة أي إحساس بالخصوصية في حياتها. وكانت حماتها وابنتها تعلقان أحيانا في الصباح على ماسمعتاه في الليل من باب المزاح " مم... كانت سهرة أمس كلها همس" أو "كانت سهرة أمس ناشفة". "متى ننتقل إلى شقتنا الخاصة؟" صارت تسأل زوجها تكرراً.

- لم لا تحبين أمي وأختي الودودتين؟ يجيبها بخيبة وغضب. - أحبهما، لكني فقط أريد بعض الخصوصية معك. أريد أن أرتدي لك بعض ما اشتريته من أجلك.

- في الربيع عندما يتحسن الطقس نبحث عن شقة أكبر تكون لك فيها خصوصية أكثر.

- لكنك وعدتني بأننا سننتقل إلى شقتنا الخاصة بمجرد وصولي. أصبحت خيبة سحر ووجهها العابس معديان في الأسرة. أم العريس وأخته أيضاَ صارتا تنزعجان من وجودها ومن كل تصرفاتها. هما أيضاً كانتا قبل قدومها في عالم أحلام آخر، هو أن رجل البيت الحبيب سيتزوج وسينجب أطفالاً تملأ ضحكاتهم المكان، وأن زوجته الطيبة بنت الأصول الصغيرة ستتأقلم بسرعة على جوهم وتنخرط في أسرتهم الصغيرة. هو أيضاً كان يعتبر نفسه " لقطة" وتفاجأ بعد كل تلك اللهفة التي أظهرتها سحر أثناء الخطبة وأثناء فترة الانتظار بعد الزواج بكل هذا البرود الذي تظهره بمجرد لم الشمل.

كان يحكم عليها بأنها تركل النعمة. طلبت سحر أن تذهب إلى دورات الفرنسية التي تقدمها الدولة مجاناً للمهاجرين، علها تختلي قليلاً بنفسها- تخرج قليلاً من جو البيت، لكن أحداً من أهل البيت لم يقبل بذلك، خشية أن تعرف القادمة الجاهلة بحقوق المرأة في كندا. تريد الذهاب إلى السوق للتنزه، لكن الكل يجيبها بأنها يفترض أنها أحضرت جهازها كاملاً فما حاجتها للسوق؟!

مرت ثلاثة أشهر حملت فيها سحر، ولم تكن في حالة تستدعي الفرح. اشتاقت إلى أهلها ولا تستطيع الحديث معهم بحرية وارتياح لأن حماتها وأخت زوجها في الجوار القريب دائماً. لكنها في يوم من الأيام علمت بأن والدها قد أصيب بجلطة قلبية وأنه في العناية المركزة، وأصابتها حالة صدمة شديدة. تريد العودة لرؤية أبيها، لكن الثلاثة الباقين أجابوا: "ليس من عروس تزور أهلها بعد ثلاثة أشهر. لا نستطيع تأمين تذاكر الطيارة". صارت تتصل يومياً لتطمئن على أبيها. " كل يوم تتصلين وكل يوم نفس الجواب. هذا هدر للنقود! زوجك يغيب للعمل عشر ساعات يومياً وأنت هنا تهدرين القليل الذي يوفره؟!

خير لك أن تصرفيها على الفيتامينات التي تقويك وتساعدك في حملك" بعد ثلاثة أسابيع على هذه الحال توفي والدها. على أثر الصدمة أجهضت سحر، وكان اجهاضها القشة التي قصمت ظهر البعير بالنسبة لحماتها ولزوجها أيضاَ الذي استقبل الخبر بلطشة كف على وجهها.

- أنت إنسانة أنانية ومستهترة ولا تفكرين إلا بنفسك.

- هذا الذي مات هو أبي الغالي، كيف تريدون مني أن أتصرف؟ بسبب قلة مراعاة الجميع لمشاعرها، علا صراخها وكذلك أجوبة الجميع. وعاشت الأسرة فترة في جو مشحون من الغضب والحنق. ثم جاء يوم عاد فيه زوجها إلى المنزل ليجدها في شجار مع أمه وكان متعباً وضجراً من العمل. استقبلته بقولها:

- أريد العودة إلى المغرب!

- فلتذهبي إلى جهنم ! - هيا نحجز في الطيارة

- لن أدفع لك قرشاً - لكن لي عندك مهراً

- حبر على ورق

- سأبيع مصاغي - هل عندك مصاغ غير ما ألبستك إياه في حفل الزفاف؟ هذا لي أصلاً.

- أريد الرجوع إلى المغرب، أريد أن أتخلص منكم جميعاً! عندئذ ثار الوحش الكامن في زوجها وانهال عليها ضرباً موجعاً في كل مكان، وهي كانت مذعورة جداً. ركلها ركلة في مؤخرتها وهو يصرخ: خذي هذه الرفسة كما ترفسين النعمة! بدون وعي جرت سحر إلى الباب وهربت من البيت ومن البناء. جرت في الطريق وهي تبكي كمجنونة حتى قادتها قدماها إلى حديقة قريبة استلقت فيها على أحد المقاعد وغطت في نوم عميق. استيقظت بعد ساعتين على أصوات الأطفال الفرحة، ثم سرت في جسدها قشعريرة باردة.

تذكرت ما حصل لها فأجهشت بالبكاء. سرعان ما اقتربت منها سيدة شابة صادف أنها عربية لتسألها ما بها. أحضرتها هذه السيدة ليلاً إلى الملجأ وودعتها بقولها: لا تخافي يا أختي- أنت الآن في أمان حقيقي، وبين نسوة رحيمات. بوابة إلى عوالم هي مجموعة يوميات وخواطر جابت في ذهن امرأة سورية هاجرت مع أسرتها للعيش في كندا وعاشت التباين الثقافي والحضاري بين المجتمعين وكذلك صدمة الواقع مقابل الأحلام الوردية التي يعيشها كل طلاب الهجرة إلى القارة الأمريكية، ثم دونتها في كراسة وسكبتها في قالب أدبي يتسم بالصدق والشفافية والموضوعية.

مواضيع ذات صلة