نحن وهم ...واحد، بقلم الكاتبة هدى البني/ أيام كندية

كل الأمم تسخر من الأمم الأخرى، وكلهم على حق!       آرثر شوبنهاور
 
يصادف اليوم الذكرى السنوية لرحيل المغني مايكل جاكسون.. إنهم يبثون أغانيه في الراديو منذ الصباح، و أنا أستعيد ذكريات مراهقتي مع بعض من هذه الأغاني بينما أنجز عملي الروتيني الممل، حتى وصلت إلى أغنية " لا يهم إن كنت أبيضاً أو أسوداً (It Doesn’t Matter If You’re Black Or White)  عندئذ سرحت من جديد في فضاء أفكاري! مجموعة خواطر كانت مبعثرة في ذهني ترتبت أخيرا ًتحت عنوان..
 
من أكثر ما أقدره في المجتمع الكندي هو أنه خرج من دائرة حرب الحضارات إلى حوار الحضارات، فطوبى له! إن النماذج التي ألقاها في حياتي اليومية المونتريالية جديرة بأن تصور وتنقل إلى كل دول العالم علهم يجدون فيها مثالاً يحتذى. فمع كل اختلافاتنا، إلا أني لا أستطيع إلا أن أحب أبناء مدينتي التي يتعايش فيها الناس من كل الأجناس ويفرض عليهم قانونهم احترام بعضهم البعض! إلا أني في مقالتي هذه لن أتحدث عن هذه النماذج الإيجابية، وإنما سأروي مقتطفات عن حوادث صارت معي أنا شخصياً أو سمعت بها، تعاكس ما جئت به آنفاً:
كنت أمس في صالون الحلاقة النسائية أنتظر دوري، وكانت النساء تتحدث في مواضيع متعددة إلى أن ذكرن قصة شابة تطلقت من زوجها "العربي " لأن عقليته رجعية ولأنه عنيف. هؤلاء النسوة ظنننني من شكلي من أصول لاتينية، خاصة وأني لا أرتدي أي رمز ديني، لذلك تكلمن أمامي براحة وصراحة. وهكذا، استمعت فيما استمعت إلى تعليقات وثرثرات جاهلة عن الأسرة العربية وجرائم الشرف. وبعد أن اكتفيت مما سمعت جاء دوري في الكلام وعرفت عن نفسي بأنني كندية من أصول عربية ومسلمة: 
" لقد شاهدت في أخبار الصباح عنوان عن جريمة أليمة حصلت في مدينتنا عن رجل فرنسي قتل ابنتيه ونفسه بعد أن عزمت زوجته الطلاق. لم يقل أحد بأن الفرنسيين ذوو مزاج انتحاري! وقد قابلت في طريقي إلى صالون الحلاقة جارنا الروماني الذي هجرته زوجته بسبب إدمانه على الكحول، واضطرت فيما بعد لمنعه من لقاء ابنتيه لنفس السبب. ثم حضرت غيرها لتعيش معه ولتهجره هي أيضاً خوفا ًعلى نفسها من السكر اليومي. لم يسخر أحد من هذا الرجل أو جنسيته بل قيل بأنه مريض وبحاجة إلى المساعدة. وكادت جارتي الإفريقية تقتل زوجها ضرباً لأنه خانها، ولم أقل أو أسمع من أحد أن نساء الأفارقة متوحشات. وقد حكت لي صديقتي أن إحدى زميلات ابنها في الجامعة- كيبكية الأصل- تربصت له لأنه في غاية الوسامة والتفوق، ولما لم يعرها أي اهتمام حاكت له المكائد واتهمته بالتحرش. لا توصف الكيبيكيات إلا بالدماثة. ثم إن جارنا اليوناني الذي طلقته زوجته بعد ثلاثين سنة صبر، وزميلاتي الروسية والفنزويلية في ورشة العمل النسائية الذين فعلن نفس الشيء بعد أن كبر أولادهن، لم يعيبن على جنسياتهم ولا على أديانهم. لماذا هذا التطاول على الرجل العربي والمسلم خاصة إذاً؟ وهل كل الرجال العرب والمسلمون خرجوا من قالب واحد؟ إن العربي بحكم تربيته في مجتمعه مجبول على بناء الأسرة وحمايتها والمحافظة عليها. يكد من أول ما يشتد ساعده لكي يبني نفسه، ويرتبط ويرعى أطفاله. إنه رب للأسرة ويتصرف على هذا الأساس. ثم، لماذا يعيب الغرب على المسلم أن يحق له الزواج بأربعة بشرط الإنفاق عليهن والعدل بينهن (علماً بأن الشروط لا تنطبق إلى على قلة قليلة من الرجال)، لكنهم لا يعيبون على شبابهم أو رجالهم أن يعاشروا امرأة في كل ليلة بدون أي ارتباط أو التزام! أنا شخصياً أعتقد بأن عنفوان الرجل العربي هو بسبب ما يعيشه من ضغوط نفسية في مجتمعه وبلاده مجتمعة مع حرارة الطقس، لكن هذا لا يجعله بالضرورة شخصاً جيداً أو سيئاً."
 سكتت السيدات ليس لأنهن اقتنعن بما أقول، ولكن لأنهن لم يكنّ يردن الخوض أكثر في هذا الجدال! أما أنا فقد أشعلت هذه الحادثة مخيلتي لكي أكتب أكثر عن صراع الحضارات. 
شاهد برومو وتصفح العدد ٣٢ من مجلة أيام كندية
العدد الثاني والثلاثون 
هذه العلاقة بين شعوب الأرض المختلفة، لماذا أطلق عليها مصطلح صراع الحضارات؟ ومن الذي استبدلها بمصطلح حوار الحضارات؟ متى يكون التنافس بين البلدان أمراً إيجابياً ومتى يكون عكس ذلك؟ 
ألا توافقونني الرأي بأن هناك أصول للتنافس الشريف بين الشعوب والأمم؟ على نطاق أضيق، ألا يستحق أي فرد من أي ملّة كانت فرصة لإثبات أنفسهم في المجتمع الذي يعيشون فيه بغض النظر عن أصولهم وانتماءاتهم المختلفة؟ ولماذا يجب أن يحكم على إنسان بسبب خطيئة غيره؟ أليس من يطلق الأحكام ويثير الفتنة بين الناس هو المجرم بذاته؟ أسئلة تدور في ذهني ولمّا أجد لها أجوبة.
 
أذكر هنا أحداثاً من التاريخ لكي أعزز وجهة نظري: عبر القرون الأخيرة، كان الإنكليز يفخرون بمملكتهم التي لا تغيب عنها الشمس، ويسخرون من أمم الأرض التي اغتصبوها من أهلها الذين استعبدوهم أو أبادوهم (من هنود إلى أفارقة إلى هنود حمر). كانت حجتهم هي التنصير، يعني، جاؤوهم باسم الله! لكن الواقع الذي يشهد عليه التاريخ مخز جداً، والروايات والأفلام الموثقة عن زيف الإمبريالية لا تعد ولا تحصى. ونقيس على نفس الوتيرة مزاعم الدول الأوربية الأخرى من فرنسا إلى البرتغال إلى إسبانيا. وقبل ذلك، في القرون الوسطى كانت الأمة الإسلامية (من عثمانية إلى عربية) ممتدة من الشرق إلى الغرب. يذكر لها التاريخ بأنها نقلت علوماً ومعارفاً وقيماً لكن أيضاً يذكر التاريخ بأنّ المسلمين حين خرجوا من الأندلس و أوروبا احتفل أهلها جل احتفال ثم نكَلوا بمن بقي فيها من المسلمين، وأتساءل لما قد يبتهج هؤلاء كل هذا القدر إذا ما كان العرب أو المسلمون قد أحضروا لهم كل الخير مع عقيدة التوحيد كما يزعم تاريخنا؟ ولماذا كان في قلوبهم كل ذلك الغل تجاه المسلمين " اللطفاء"؟  ثم لماذا داروا الأرض شرقاً وغرباً بحثاً عن طرق حرير جديدة بعيداً عن تلك التي تملكها المسلمون؟ هل بسبب التسهيلات التجارية "المغرية" والمعاملات "الشريفة" التي كان يقدمها لهم هؤلاء الأخيرون؟ 
 
إلى متى يستمر صراع العالم القديم؟ قبل فترة شاهدت بعض مقاطع فيديو على اليوتيوب تتحدث عن كراهية العالم للمسلمين شرقاً وغرباً، يتناقلها المسلمون أيضاً للأسف بحجة التنبيه للعداء ضدَ الإسلام. كذلك شاهدت مقاطع فيديو لبعض ممن يدعون أنفسهم أئمه يحتكرون الجنة لأنفسهم ويدعون للعداء ضد كل من هو غير مسلم! هكذا، تنبش الأمم بحثاً عن عيوب غيرها من الأمم، ويبني الأفراد أحكامهم السلبية بناء على ما شاهدوه من الإعلام أو سمعوه من رجال الدين الذين يثقون بهم، ثم يعممون الصفات السيئة التي شاهدوها من شخص ما على ملته بأكملها ويغذون العداوة فيما بينهم لأنهم باحثون عن المشاكل وهكذا نصنع جميعاُ الحروب ونكدر عيشتنا بأنفسنا. 
 
ومن حياتنا المعاصرة نماذج أخرى عن أمم تقول مالا تفعل: يزعم مواطنو الولايات المتحدة الأمريكية بأنهم ينشرون عبر إعلامهم علوماً متقدمة وقيماً في الديمقراطية ويتشدقون في حقوق الإنسان...هؤلاء الذين قامت دولتهم على مجازر لا تحصى لإبادة السكان الأصليين؟ واستعبد أجدادهم الأفارقة عبر قرون؟ أليسوا هم من اخترعوا القنبلة النووية التي حرقت مدينة هيروشيما بأكملها وخربت أكثر مدينة ناجازاكي؟ ألم يكن لهم الدور الأكبر في حروب فيتنام وأفغانستان والعراق؟  أليسوا هم من اخترعوا لفظة الإرهاب ولصقوها برجال الشرق الأوسط؟ لماذا؟ لتحقير قدرهم بين شعوب العالم حتى لا يتعاطف أحد تجاه ما يحصل مع العرب. أليسوا هم أيضاً من نشروا الكثير الكثير من الذعر والعنف والجريمة عبر أفلامهم ووسائل إعلامهم؟    
 
دعونا نذهب الآن في رحلة إلى الشرق الأقصى، إن تاريخ الصين واليابان حافل بالحروب التي ليس من مبرر لها إلا الطّمع. هم أيضا ًعاشوا نفس قصة أوربا مع العالم القديم لكن مع سيناريو مختلف! وتحكي الهند وباكستان قصصاً مشابهة. وروسيا أيضاً تاريخها حافل بالحروب بسبب الطمع والثورات على فساد الحكم والإدارة. قصص البشر واحدة أينما كانوا، كل ما يختلف هي المسميات والرقعة الجغرافية! 
 
بالحديث عن الأديان، لقد ظهر بوذا في الهند لكي يصحح تعاليم الهندوسية بعدما حرّفها رجال الدين ومن تبعهم، ثم امتدت البوذية شرقاً إلى اليابان، لكن في القرن الماضي ثارت عليها الشيوعية في الصين وطردت كل رهبانها بسبب فسادهم وخزعبلاتهم! وعندما دارت عليهم الأيام وصاروا رحالة في العالم اضطروا إلى النبش في معتقداتهم وتصحيح وتقويم شعائرهم الدينية حتى يجذبوا إليهم الرأي العام وحتى لا يفقدوا أتباعهم، وهكذا سمعت الدنيا بأسرها عن البوذية! ألم تمر المسيحية بنفس التجربة؟ ألم تصحح الكنسية أخطائها الفادحة التي ارتكبتها عبر التاريخ ولنفس الأسباب؟ ألا تمر الأمة العربية والإسلاميّة بنفس تجربة المخاض الأليم ذاتها الآن؟ وماذا عن اليهود؟ لقد أجرم هتلر في حقهم بمحارق تخجل منها الإنسانية، ودارت الأيام وصاروا يفعلون نفس الشيء مع الفلسطينيين!    
 
بيد أني أتساءل في نهاية المطاف مع التمعن في انتماءاتنا المتعددة (من عرق وجنس ودين) من نحن ومن هم؟ أليس كل الناس سواسية؟ ألسنا من آدم وآدم من تراب؟ ألا نعيش جميعنا مسيرة من المهد إلى اللحد؟ لماذا إذاً هذا التناحر فيما بيننا؟ من الذي حول التنافس بين الأفراد والأمم والحضارات إلى صراعات؟ ولماذا؟ وهل سيصير يوماً حواراً بحق؟ 
 
أطرح أسئلتي العديدة أمامكم أعزائي القّراء، علّي أجد لها جواباً مقنعا! شكراً لمتابعتكم ودمتم بخير!
 

مواضيع ذات صلة