قلوب ملأى بالألم والأمل- تتمة بقلم الكاتبة هدى البني

في أحد الاجتماعات الشهرية بين الإدارة والنساء في السكن لمتابعة حالة كل منهن والتطورات التي طرأت عليهن. حضرت جوليا وهي نزيلة سابقة منذ سنين ومتطوعة لمساعدة النساء الخارجات من محنة زوجية تقوم بسرد قصتها الذاتية ودروس الحياة التي تعلمتها والحديث عن الدعم الذي زودتها به مراكز الرعاية والخدمات الاجتماعية النسائية. وفيما يلي تسرد قصتها: "عشت سبعاً وثلاثين سنة من عمري في دمشق. كنت أرتاد الكنيسة كل أسبوع للقاء الأصدقاء والتعارف والصلاة. وهناك تعرفت على زوجي السابق وكان موسيقياً ومتطوعاً في الكنيسة.

بعد قصة حب جميلة و مشاكل مع أهله الذين لم يتقبلوا زواج ابن المدينة من ابنة الريف، تزوجنا و كنت وقتها في الرابعة و العشرين من العمر، بعد أن تخرجت من الجامعة من قسم الأدب الإنكليزي. مرت السنوات الثماني الأولى بوئام نسبي أنجبت خلالها طفلتين ملأتا علينا البيت بالحياة والضجيج. وكانت مشاكلنا كتلك التي تحصل في كل أسرة، خاصة وأننا كنا نعيش مع حماتي التي لا يعجبها العجب. لكن المشاكل الحقيقية ظهرت بعيد ولادة الصغيرة بعامين، عندما انتبهت وزوجي أن الحمل والولادة والرضاعة استهلكوا جسدي الشاب بشدة.

الرياضة لم تخدمني فعلياً لترميم بطني المتدلي ولا جلدي المتشقق ولا رفع ثديي المترهلين. الجراحة التجميلية لم تكن متيسرة كما في أيامنا هذه. كان زوجي فظاً جداً لأنه داوم على إحراجي باستمرار بتعليقاته السخيفة والساخرة على مظهري وأنوثتي المشوهة، وصار السرير مكاناً لإظهار الامتعاض بدل الحميمية. في يوم من الأيام، كنا على وشك المعاشرة عندما فاجأني بعبارة " أثداؤك متدلية مثل أثداء الكلبة، وجلدك رخو مثل جلد العجوز". نزلت عبارته مثل سوط على ظهري فصرخت بشدة " أبداً – لن أعاشرك أبداً " ونهضت من السرير وخرجت باكية إلى الصالون. في اليوم التالي تفاجأت حماتي لرؤيتي نائمة على الكنبة. ولما علمت بالأمر حاولت لجم الموضوع بخفة دم " لا يقصد ابني ما يقوله- إنه يمزح! هذا ملح وفلفل الحياة الزوجية الذي يعطيها النكهة " لكنها لم تتدخل لأي مصالحة. ثم صرت أنام مع بناتي. ويحصل أن يريد زوجي أن يعاشرني مع أنه يجدني مثل الكلبة لكنني كنت أتذرع غالباً بالبنات حتى يتركني وشأني، فإذا ما خلا البيت إلا من كلينا، صار زوجي يغتصبني اغتصاباً، يضربني حتى أتعب ويشد شعري حتى أرضخ. كنت أخشى الفضيحة بين الجيران " أولاد العيل الأكابر" ولذلك كنت أرضخ في النهاية. معظم أهلي في المهجر، وبعضهم في القرية التي لا أفكر إطلاقاً بالعودة إليها. كنيستنا تحرم الطلاق، ووضعي المالي لم يكن ليخدمني لأستقل بنفسي وبناتي، ولذلك كان الصمت خياري الوحيد. عبر الزمن تطور حال زوجي السابق في عالم الفن فأصبح يرافق أشهر الفنانين في سفرات يقيم فيها الأمسيات الموسيقية والغنائية والراقصة. وأنا عملت في المركز الثقافي البريطاني كمدرسة للغة الإنكليزية. صار لزوجي خليلة أو خليلات لم أكن مهتمة لمعرفة عن أي منهن، فأنا لم أعد أحبه مطلقاً وممنونة أنه ابتعد عني. صار يعتني بنظافته وعطوره وظاهرياً يبدو عليه السرور.

لم نلحظ كيف هجر الحب بيتنا بالتدريج، لكنه عندما غادرنا كان مكانه خاوياً. انتابتنا حالات من النقص، صرنا نفتش البيت بحثاً عن أمر مفقود، فنجده كاملاً بعتاده لكنه أجوف مثل ثمرة بلاستيكية مصنعة بإتقان، جميلة الشكل من الخارج لكنها بدون لب، بدون طعم أو فائدة أو رائحة. أنا أيضاً شعرت بفراغ عاطفي ونفسي هائل في حياتي يتمثل بالرجل. التقييم لذاتي الذي كنت أنشده وجدته عند زميلي في المركز وهو مدرس وإنكليزي اسمه جورج. كان يتعامل معي بلباقة واحترام شديدين لم أختبرهما في حياتي، لا عجب أني تقربت منه وأنه أصبح أعز الزملاء. مع مرور الزمن صار جورج جزأً من حياتي. حصل في إحدى السنوات أن كان زوجي في رحلة عمل، وتركت البنات عند جدتهن لأشارك بالاحتفال بعيد الميلاد في المركز. كان الجميع متأنقاً لأجل الاحتفال، وكان جورج وسيماً للغاية. فاجأني بتعليق على مظهري " أنت دائماً جميلة، لكنك اليوم ساحرة ". جملة واحدة أعادتني إلى أيام الصبا والجمال وردت الروح في قلبي المهجور! كانت الحفلة حلوة جداً ورقصنا كثيراً وأكثرنا من الشرب، ثم في بلكونة المركز اختلينا ببعضنا لنتبادل القبلات والأحاسيس.. وتطور الأمر فيما بعد إلى معاشرات في شقته وأوقات حميمية بيننا. في كل الفترات التي قضيناها سوياً، كان جورج يعبر لي عن إعجابه بي قلباً وقالباً.

لكنني عندما أحاول أن أستشف أي أمل لنا في حياة مشتركة، كان يشرح لي أنه ليس رجل أسرة باعتبار أن أباه هجر عائلته وهو طفل وتعددت نماذج الرجال في حياته بتعدد أصحاب أمه، وأنه لا يريد أطفالاً لأنهم يغيرون مسار حياة أهلهم باتجاه لا يريدونه. وهو يحب السفر والترحال وكثرة المغامرات وتعدد الأشخاص في حياته. هذه الحياة كما يراها وليست الأسرة بأي بعد من الأبعاد. خلال فترة من الزمن، لاحظ من حولي تغير تصرفاتي وقسمات وجهي، فأنا امرأة عاشقة والحب باد للعيان مهما حاولنا إخفاءه. بعد أن تتبعني زوجي مرة، كشف الموضوع وثارت ثائرته. انتظرني في البيت مع حزام ثخين لسعني به بمجرد دخولي إلى البيت، ثم انهال عليّ ضرباً حتى أدماني وهو ينعتني بالعاهرة! حبست حماتي البنتين في الغرفة وجالستهما تستمع إلى صراخي وهي تروي ظمأً كرهها الشديد لي. لم ترغب في مشاهدتي حتى وأنا على سرير سيارة الإسعاف فهي كانت تعتبرني المذنبة في ما آل إليه حال الأسرة، و تعلق غالباً بأنها لم ترد هذه الزيجة يوماً و كم كان عندها بعد نظر.

أما جورج، فقد حزم أمتعته وطار مع أول طيارة عائدة إلى لندن بعدما علم بأنني في المستشفى وأن القانون عندنا يحمي الزوج الغاضب ويعفو عن جرائم الشرف. ترك لي رسالة وداع مع "زهرة بيضاء". ذهلت النسوة من قصة جوليا، وكيف كانت تسردها بكل شفافية وكأنها قصة فيلم أجنبي. علقت إحداهن: "أوه كم أخطأت بحق نفسك في هذه العلاقة مع رجل لم يكترث لمصابك وهرب تاركاً إياك للمصير الأسود! لو كنت مكانك لفكرت في بناتي وعشت راضخة من أجلهن. ماذا حصل للبنتين عندما عرفتا بما حصل، أوه أكيد صار عندهما صدمة نفسية، وأنت، ألم تندمي؟ " عندئذ تدخلت إحدى الأخصائيات الاجتماعيات وأردفت بسرعة على كلام هذه السيدة: " ليس من الحكمة أن نوزع النصائح الفردية على بعضنا وأن نقارن أنفسنا بالآخرين، لأن كل واحدة فينا فريدة عن غيرها وعاشت في بيئة مختلفة وتلقت تعليماً مختلفاً وتعيش تجربة فريدة وتتفاعل معها بشكل متباين عن ذويها". تفكرت جميع النسوة في كلام الأخصائية، ووجدت نفسي أتفاعل مع الحديث فطلبت الإذن بتعليق: أوافقك تماماً في هذا الرأي.

أنا شخصياً أؤمن بأنني إنسانة ذات كيان، لست ابنة فحسب ولا مجرد زوجة أو أخت ولا أقبل أن أعرّف كأم – مع اعتزازي بكل الغوالي من حولي. أنا هي ذاتي، ما أعتقد وما أريد وما أفعل. أنا إنسانة عزيزة وحرة. عادت النسوة إلى جولياً طلباً في تتمة القصة. فأكملتها بأنها بعد أن بلعت خنجر الخيبة العريض، بدأت تبحث عن خلاص، ودلتها إحدى النساء إلى السفارة الكندية حيث قدمت طلب اللجوء الإنساني لها ولبناتها ثم غادرت البلاد دون رجعة. وهي الآن بعد مضي السنين تدرس اللغة الإنكليزية في معاهد اللغة الخاصة، وتعيش مع إحدى بناتها بعد أن تزوجت الأخرى.

وصارت جولياً تمارس فلسفة جورج في هذه الحياة، مع أنها لم ترغب قط في مراسلته ومعرفة أخباره منذ اعتبرته قد تخلى عنها. يتبع في العدد القادم بوابة إلى عوالم هي مجموعة يوميات وخواطر جابت في ذهن امرأة سورية هاجرت مع أسرتها للعيش في كندا وعاشت التباين الثقافي والحضاري بين المجتمعين وكذلك صدمة الواقع مقابل الأحلام الوردية التي يعيشها كل طلاب الهجرة إلى القارة الأمريكية، ثم دونتها في كراسة وسكبتها في قالب أدبي يتسم بالصدق والشفافية والموضوعية.

مواضيع ذات صلة