قلوب ملأى بالألم والأمل بقلم الكاتبة هدى البني

قلوب ملأى بالألم والأمل- تتمة

في أحد العصريات في حديقة سكن النساء، بينما كنا نشرب الشاي المغربي الذي أعدته لنا سحر ونراقب الأطفال وهم يلعبون الغميضة، انضمت إلى شلة المجتمعات شابة كنت ألاحظها غالباً في غرفة الإنترنيت منهمكة في البحث عن عمل. كانت تسرح في السماء وفي مراقبة ابنها ذي العشرة أعوام. بادرت في التعرف إليها لأن نظرة التصميم في عينيها واضحة و "جذابة". علمت بأن رانية هو اسمها، وأنها قادمة جديدة من الأردن.

لرانية قصة مختلفة عن سابقتيها. فهي عندما كانت في الخامسة عشرة من عمرها أغرمت بابن الجيران الذي كان يكبرها بثلاثة أعوام، وكانت قصة حب عارمة خلال سنوات المراهقة. أمام إصرار وإلحاح العاشقين، رأى الأهل أن يستروا على الشابين وسكنت العروسة في غرفة صغيرة في بيت حميها. ثم اكتشفت وزوجها بعد فترة قصيرة كم كانا صغيرين ومتسرعين في هذه الزيجة فالعريس طالب في الجامعة ومصروفه من أهله، وهي يجب أن تكمل الثانوية، أهل الزوج يطالبون العروسة بالمسؤولية والواجبات البيتية التي لم تكن تعرفها في بيت أهلها، وهي انتبهت الآن بأن العريس ليس بابا الحنون الذي يعتبر طلباتها واجباته المقدسة.

العريس من طرفه استثقل كاهل المسؤولية الزوجية وسئم مشاكل النسوان، كذلك كأي طالب جامعي صار لديه زميلاته، وزوجته الغيورة تنكد عليه الاتصالات والأمسيات باسطوانات الغيرة والاستجواب المتكررة. ثم إن هذه الزيجة تأثرت كثيراً بالمثل القائل: " إذا دخل الفقر من الباب، هرب الحب من الشباك"، فعندما تكون العين بصيرة واليد قصيرة تصبح الزوجة غاضبة ويقابل زوجها الغضب باللامبالاة والهروب. ثلاثة أعوام مرت تخرج فيها الشاب من كلية الهندسة المدنية، ودخلت هي فيها إلى كلية الإدارة. وشاء الله أن تحمل بـابنها آدم. أمام أزمة البطالة في البلد، فكر الزوج بأن السفر هو أحسن حل لمشاكله المالية، فحزم أمتعته وتوجه إلى الإمارات، غير أنه أيضاً لم يكن جاهزاً للتجربة فقضى هناك شهوراً في عوز شديد. ثم تعرف على رجل أعمال عرض عليه العمل معه، وكان لهذا الرجل ابنة شابة أعجبت بوسامة المساعد الجديد لأبيها، ثم سرعان ما ضمت عائلة رجل الأعمال ذاك فرداً جديداً حاصروه بكل ما استطاعوا وحولوه بإرادته إلى عبد مأمور. وضعت رانية مولودها في جو من القهر، وقررت طلب الطلاق بعد كل الإهمال الذي لاقته من زوجها.

عادت إلى بيت أهلها تحمل طفلاً بيد وكتاباً باليد الأخرى. كان هذا الطفل مصدر طاقة لأمه بقدر ما كان مصدر إنهاك. فشعورها بأن ابنها بلا أب فعلياً ضاعف مسؤوليتها تجاهه، بمعنى أنها ليست فقط يجب أن تعتني به، لكن أن تعيله أيضاً. وهكذا كانت تأكل الكتب أكلاً حتى تخرجت بتفوق. ثم دخلت مضمار الحياة العملية وغرقت في العمل على أمل أن تنسى صدمتها العاطفية وكل همومها. سرعان ما التحقت بكادر العاملين في الأمم المتحدة بوظيفة مقبولة تطورت فيها بسرعة. مع كل نجاحها المهني كانت تشعر دائماً بأنها مكسورة الخاطر، فهي كمطلقة شابة غير مرغوبة في المجتمع إلا من رواد المغامرات الجنسية والكهول الأغنياء الراغبين في تجديد شبابهم. تلاحقها اتهامات باطلة وتعليقات سخيفة في كل مكان. بعد سنين الوحدة حن جسدها إلى الرجل واكتأبت من وضعها فقررت الهجرة أملاً في فتح صفحة جديدة في مجتمع أكثر تقبلاً لوضعها والتعرف على رجل شاب منفتح الفكر. تقبل والداها الفكرة لأنهما كانا مصدر دعم لا ينفد في حياتها ولأنهما وجدا في ابنتهما جدية وتصميماً على تحقيق أهدافها في الحياة. ثم جاء يوم تعرفت فيه إلى عادل في أحد الأمسيات الشعرية في مركز ثقافي، وهو شاب من دولة مجاورة ومقيم في الأردن، سحر بشخصيتها ومنصبها في الأمم المتحدة وطلب الهجرة في السفارة.

كان عادل رجلاً انتهازياً جداً، فقد قرر أن يوقعها في شباك الحب عله يستفيد منها إلى أبعد الحدود. تقدم لخطبتها بعد ما عرف أنها إمرأة مستقيمة لن تقبل بغير الارتباط الواضح أمام الله والمجتمع. ومع معرفتها بالضيق المالي الشديد لعادل وافقت على الزواج به، لأنها تؤمن بأن الرجل يصنع المال وليس العكس، كما أنها تواقة لتجربة زواج ناجحة، وهو لا يفتأ يحدثها عن سعادته بأنه أخيراً وجد ابنة الحلال التي كان يحلم بها كل عمره. بسبب لسانه المعسول كانت رانية تشعر بأنها معه كحواء الوحيدة على الأرض. ثم كان الزواج في الأردن، وكانت الصدمة الجديدة. فالرجل الخسيس والدنيء عندما يحب، يحب نفسه ومصلحته وهو أشبه بالعلقة في لينه وبمصاص الدماء في غضبه. في عينيه رأى في رانية دجاجة تبيض ذهباً، ورأى أسرة قد تخدم مصالحة وهو الغريب الوحيد الضعيف. في البداية مثل عليها دور المسكين ونجح باستثارة تعاطفها حتى يحصل على المال، وهي باعتبارها أن زوجها يحبها وأن الود والتراحم واجب بين الأزواج، كانت في البداية تدعمه بكل سرور. لكنها بعد فترة صارت ترفض هذا الابتزاز العاطفي، وصارت تحس بالرخص الشديد لأن احترامها وتقديرها لذاتها يعارضان فكرة أن تصرف على زوج يتشبه بالمعاقين وقليلي الحيلة ليعصر منها ما استطاع من الفائدة.

مع تغير موقفها الكريم تغير موقفه اللطيف فصار يعايرها بأنه قبل الزواج بها وستر عليها وهي مطلقة وأم لطفل، وصار ينتقد فيها وفي كل فرد في أسرتها كل صفة وخلة. فكرت رانيا بالطلاق في الأردن، لكنها أدركت بأنها حتى لو تخلصت من سجن زواج متعفن، فهي ستخرج منه إلى مجتمع أعفن. لذلك صارت ترتقب الهجرة بفارغ الصبر لتبدأ من جديد. حملت رانيا قبل سفرها ثم أجهضت بعيد وصولها مع زوجها إلى كندا بسبب الإنهاك الفكري والجسدي الشديد. عندما كان زوجها يراها متوعكة بسبب الحمل كان يهرب من البيت متذرعاً بأسخف الأسباب، وعندما أجهضت، قالت: الحمد لله- لم يعد يربطني بك أي رابط. ثم بالتنسيق مع إدارة الملجأ وضبت أغراضها وغادرت بقلق بسيط وراحة عظيمة. يتبع في العدد القادم بوابة إلى عوالم هي مجموعة يوميات وخواطر جابت في ذهن امرأة سورية هاجرت مع أسرتها للعيش في كندا وعاشت التباين الثقافي والحضاري بين المجتمعين وكذلك صدمة الواقع مقابل الأحلام الوردية التي يعيشها كل طلاب الهجرة إلى القارة الأمريكية، ثم دونتها في كراسة وسكبتها في قالب أدبي يتسم بالصدق والشفافية والموضوعية.

مواضيع ذات صلة