قلوب مليئة بالألم والأمل بقلم هدى البني

(لا تحزن إذا تعثرت أقدامك وسقطت في حفرة واسعة، فسوف تخرج منها وأنت أكثر تماسكاً وقوة. ولا تعتقد أن نهاية الأشياء هي نهاية العالم، فليس الكون هو ما ترى عيناك.)

في إحدى زوايا القاعة لوحة معلقة على الحائط هي صورة لصحراء رملية، وفيها آثار أقدام مغامر مقدام قرر أن يقطعها وباشر المشي إلى أن وصل بعيداً فوق إحدى الكثبان. كتب تحت هذا المشهد المعبر: طريق الألف ميل يبدأ بخطوة. لو تركوا لي عنونة الصورة لاخترت عنوان " الحياة رحلة ": من المهد إلى اللحد، عبر صحراء وغابة، عبر جبل وسهل، تحت الشمس وتحت المطر وفي الثلوج ونحن ننشد فيها الخبرة والمعنى والمغزى. أتساءل لو أن هؤلاء أتونا ببساطة دون الخوض في التجارب الكثيرة هل كنا لننتبه لهم أو نقدرهم؟

هل نقدر النعم الكثيرة التي تحيط بنا دائماُ كالحواس أو الأمان أو الكفاية المالية أو الأسرة أم أننا قد تعودنا عليها لدرجة أننا لم نعد نحس بقيمتها؟ القصص التالية مليئة بالعبر. أتساءل كيف سيكون فهمكم لكل منها. تعرفت على صديقتي سعاد العراقية منذ بضع سنوات في مدرسة الفرنسية. كانت رفيقتي في الصف وفي الفرص وفي طريق العودة. ولما رأيته خلال أشهر من لطفها ورجاحة عقلها طلبت منها أن نبقى على اتصال بعد إكمال الصفوف.

هي سيدة في الأربعينيات من عمرها لاتزال علامات الجمال والشباب تبدو على وجهها، على الرغم من كل ما خطه القهر على قسماتها. قبل الهجرة كانت تعمل ممرضة في إحدى مشافي بغداد إلى أن تزوجت والتفتت إلى مهامها المنزلية وأطفالها الثلاثة. حافظنا سعاد وأنا على اتصالنا وكانت عائلتانا تتزاوران من فترة لأخرى، إلى أن اتصلت بها في أحد الأيام، وردّ عليّ زوجها خائباً ومحطماً " لقد ذهبت- راحت من حياتي للأبد"! - ماذا تعني؟ وكيف ومتى؟ - إنها في أحد ملاجئ المتشردين، حيث تنتمي! لما وجدت أن الغضب يسيطر عل الرجل ولسانه يتلفظ بالعجائب عن زوجته، آثرت أن أنهي المكالمة على وجه السرعة، ثم كتبت لها إيميلاً مختصراً بأنني أنا أختها في الغربة وأنني جاهزة لمد يد العون ما استطعت، وأنني أحترمها كثيراً وأحبها لشخصها.

ثم جاءني ردها في اليوم التالي مقتضباً وممتنا، ختمته بقولها: أتمنى أن تزوريني – لكن تكتمي على اتصالاتنا وحافظي على السرية- رجاء! زرتها، وهكذا تعرفت على واحد من ملاجئ إغاثة النساء في مونتريال. هو بيت يبدو من الخارج مثل بقية البيوت التي تجاوره، ولا يكاد يميزه عنها سوى كاميرا مراقبة علقت إلى جانب الباب. بيت كبير من ثلاثة طوابق، خصص الأعلى منها لغرف النزيلات والحمامات، في كل غرفة منها أسرة على عدد الأمهات والأطفال الذين ينزلون فيها، وطاولة مكتب صغيرة مع ساعة منبه ولمبدير وخزانة، وقد تطل الغرفة نفسها على شرفة صغيرة.

أما الطابق الأرضي فيحتوي المطبخ الواسع والفسيح والمجهز بكل أجهزة وأدوات المطبخ العصرية، ثم مكاتب المديرة والمشرفات الاجتماعيات ومخزن صغير. وأما الطابق السفلي فيه فيضم غرفة الجلوس وفيها شاشة تلفاز كبيرة تكاد تكون سينما منزلية، وغرفة لعب للأطفال لهم فيها ما طاب من الألعاب والألوان، ثم قاعة اجتماعات، وغرفة الغسيل وآخراً مستودع كبير للأغراض والمأكولات. لهذا البيت وجيبة خضراء سوّرت بحاجز خشبي وجعلت كحديقة للأطفال، وضع لهم فيها بعض الألعاب. " إذا كان هذا هو الملجأ فكيف يكون الفندق؟" سألت صديقتي بطرافة. - هذا مكان مؤقت، ريثما أعود قادرة على إمساك زمام الأمور من جديد وأأمن بمساعدة المشرفات مسكناً خاصاً لي ولأطفالي. - لكن لماذا يا سعاد؟ ما الذي حصل؟ جلسنا في طرف الحديقة بينما كان أولادها يلعبون في مسبح مطاطي صغير في الطرف الآخر، وسمعت منها قصة أذهلتني.

" تزوجت سليم بعد قصة حب جميلة. كنت ممرضة في قسم الأطفال الذي يعمل فيه كطبيب مختص. التجاذب بيننا كان واضح منذ الفترة الأولى. كنت أجد فيه شاباً جدياً وطموحاً ووسيماً وذو حسب ونسب ومال يفوق ما عندي بكثير. كنت أرى فيه شمساً تنير حاضري ومستقبلي. ولما تقدم لطلب يدي لم تسعنا الفرحة (أسرتي وأنا) فزغردنا قبل قراءة الفاتحة. وانتقلت بعد العرس الطنان إلى العيش معه وأسرته في بيتهم الواسع في أرقى أحياء بغداد. ثم بدأت أشعر بأنني لم أتزوج شخصاً واحداً فحسب، بل أسرة بكاملها هي والداه وأخواته الخمس اثنتان منهن كانتا تعيشان معنا لحين الزواج.

أول متطلبات الزوج وأهله كانت أن أترك العمل، لأنهم لا يشرفهم أبداً أن تعمل زوجة ابنهم الدكتور كممرضة، بل إنهم طلبوا مني ألا أذكر عملي أمام طبقتهم " المخملية". أمه وأخواته كنّ يعتبرنني بأنني خطفت ابنهم منهم وأحظى باهتمامه الأكبر، ولذلك كنّ يكدن لي المكائد ويعايرنني دائماً بأصلي المتواضع وكدرن حياتي كثيراً بأمور سخيفة! أردن تحويلي إلى خادمة تقدم الفطور وتطبخ وتنظف وتنشر الغسيل وتكوي وتقدم الضيافة لكل من زار أهل البيت، مقابل السكن في بيتهم. كذلك أطفالي كانوا أبناء بالمشاركة في التربية والتوجيه. وكان زوجي يترفع عن التدخل في "شؤون الحريم" لحل الخصومات التي دائماً ما خرجت منها خاسرة. غير أن ما كان يصبرني جداً على أذاهم هو معرفتي بأن زوجي ينوي الهجرة بنا إلى كندا ليؤمن للأسرة مستقبلاً أفضل بكثير مما كان لينتظرها في بغداد في هذا العصر. ومرت ست سنوات وصار الحلم حقيقة. كادت حماتي وبناتها تمتن من الغيظ لأنني أنا من اختارني القدر لبداية جديدة وكانت لحظة الانتصار في المطار عندما أدرت ظهري لكل سنين المر وطار قلبي من الفرحة مع الطيارة المقلعة.

يتبع في العدد القادم..

بوابة إلى عوالم هي مجموعة يوميات وخواطر جابت في ذهن امرأة سورية هاجرت مع أسرتها للعيش في كندا وعاشت التباين الثقافي والحضاري بين المجتمعين وكذلك صدمة الواقع مقابل الأحلام الوردية التي يعيشها كل طلاب الهجرة إلى القارة الأمريكية، ثم دونتها في كراسة وسكبتها في قالب أدبي يتسم بالصدق والشفافية والموضوعية.

مواضيع ذات صلة