متشوقة للقائكم بقلم الكاتبة هدى البني

(الحياة مليئة بالتناقضات، ما تريده لا تحصل عليه، ما تحصل عليه لا تستمع به، المتعة لا تدوم، وما يدوم فهو ممل) قائل مجهول

بعد انقطاع عن العمل ثلاثة أيام متواصلة بسبب عطلة نهاية الأسبوع تلتها عطلة رسمية، أتيته هرولة صباح هذا اليوم. اشتقت إلى مكاني وإلى النافذة وإلى خلوتي مع الأفكار! وصلته قبل عشر دقائق، وبدل أن أعد القهوة أخرجت مسودتي من تحت الأوراق. في بداية هذا المقطع أتوجه بالكلام إلى القارئة المحترمة: هل تحسين حين أوجه الخطاب للمفرد أو الجمع المذكر بأنني أنتقص من قدرك؟ في لغتنا العربية وفي المخاطبة تغلب صفة الذكورة على الأنوثة وتشملها.

ولعل ذلك يعود لحقيقة أن حواء خلقت من آدم إذاً فهي جزء منه فإذا ما خاطبنا آدم عنينا كلاهما. ولا أجد حرجاً في ذلك مع أني من أنصار الحركة النسائية (إلى حد ما). أؤكد لك أنني لا أقصد تجاهل أنوثتك فأنا أيضاَ حواء بنت حواء وأختها وأمها، وأحبها. وأعلم أيضاً بأنها خلقت قلباً و قالباً مجهزة بما تحتاجه لاستيعاب آدم و عشقه للصدارة و البروز، فليفرح إذا بالمنادى المذكر و لنفرح نحن بـ ( --- )!

سـأعود إلى المكان الذي بدأت منه. ليست الأمور كما تبدو. لم أتخيل قط بأن كل هذه الحصرة في العمل ستطلقني إلى فضاء بلا حدود وعبر الأزمان، ولم أتخيل بأن كل هذا الإحباط سيولد فرحاً غامراً بملقاكم. لم أعد أسميها بشركة التحنيط! إنها المكان الوحيد الذي ينطلق فيها صدى ذكرياتي وأفكاري ليصل إليكم لاحقاً. صرت آتيها هرولة وأغادرها وقلبي معلق فيها، هي المكان الذي يحررني ويطلق سراح أفكاري المناضلة في سبيل الحرية.

في كل يوم أعودها أتساءل ما الذي ستخطه يميني هذا اليوم. والآن أطير عائدة إلى مقاعد الجامعة حيث سمعت لأول مرة قصيدة من روائع الشعر التي قرأتها بعنوان "إلى ألثيا من السجن" للكاتب ريتشارد لوفلاس. كتبها لحبيبته عندما كان سجيناً أثناء الحرب الأهلية الإنكليزية في عام تسعة وأربعين وستمئة وألف (1649). تعكس هذه القصيدة فكرة متناقضة ظاهرياً عن مفهوم الحرية بالرغم من السجن، يقول فيها: لا تصنع الجدران الصخرية سجناً وكذلك القضبان المعدنية لا تشكل قفصاً لأن النفوس الهادئة والبريئة تؤمن بذلك وهي في صومعتها عندما أكون حراً في حبي وتكون روحي حرة الملائكة المتألمة في السماء فقط تتمتع بحرية كهذه.. أتخيلكم يا رفاق، أمضي الوقت بالتخمين كيف ستكون ردة فعلكم عند قراءة هذه الخواطر. هي قطعاً ليست أول محاولة بالكتابة، لكنها أول عمل أنوي أن أنشره.

مع كل القلق الذي ينتابني إزاء مواقفكم إلّا أن هناك فرحة غامرة من طرفي بهذا اللقاء ولو في صفحات. وأعلم بأن رسائل القلوب صادقة ومتبادلة، وأدرك بأن مذكراتي هذه لو نشرت ولاقت استحساناً بين الناس سيكون ذلك بفضلكم: الوقت الذي ستكرسونه لقراءتها وتزكيتها لعشاق القراءة من معارفكم ولذلك أشعر بأنني أدين لكم مسبقاً وأشكركم سلفاً.. أثناء فترة الغداء اجتمع زملاء العمل سوياً على نفس الطاولة وكانت الدردشة الكبرى حول عدد السنوات التي قضوها في الشركة. استرجعت أقدم الموظفات - وهي تعمل أيضاً في قسم تدقيق العقود - ذكرياتها القديمة في الشركة ثم كيف أنها تتوقع أن تكمل فيها أكثر من عشر سنوات إلى حين التقاعد.

زاغ نظري فيها وأنا أسمع عن سنواتها الخمسة عشر في المهمة المستحيلة (تدقيق العقود). تخيلتها فجأة وهي تتحول عبر السنين من امرأة في مقتبل العمر إلى عجوز في الغابرين، بشعر أبيض وجلد متجعد. تخيلت أسنانها تقع واحداً بعد آخر من الهرم وهي منكبة على العقود التي لا تنتهي ثم تبتسم قائلة " المحافظة على العمل أصعب من إيجاده". ثم قفز إلى ذهني مقولة لأحد الحكماء قرأتها قبل أيام وأعجبتني كثيراً " إذا مر أسبوع وأنت تؤدي نفس العمل بدون تجديد، فافحص سلامة قلبك". انسحبت من بين الجمع وهرعت إلى مسودتي أكتب ما تضارب في ذهني من أفكار!

برأيي الشخصي التغير نعمة أكبر من الاستقرار. الحياة مليئة بالمحطات وأنا أحب أن أتنقل فيها كما تتنقل العصافير بين الأشجار والفراشات بين الورود. لو حصرت كل علمي وفضولي في مجال واحد لربما أنجزت فيه الكثير، لكني مفطورة على حب التنوع. لست ممن ينطبق عليهم القول " إذا لم تعرف أين أنت ذاهب فستنتهي في المكان الخطأ " لكنني أترك دفة القيادة لحدسي من فترة لأخرى، وأحب أن أعيش تجربة اليوم بكل تفاصيلها واكتشافاتها. وحدسي يخبرني أنني في هذه الشركة (حيث أخفقت في أن أجد شيئاً ما أتعلمه) لأنجز أمراً ما أو لأختبر تجربة جديدة. يخبرني حدسي أيضاً بأنني لن أعيش فيها تجربة زميلتي الصنديدة.

خير دعم لرأيي مقولة للكاتب الروائي العالمي باولو كويليو " إن كنت تعتقد بأن المغامرة خطرة فجرب الروتين فهو قاتل". انتهت فترة الغداء بعودة زميلاتي إلى القسم، أيقظنني من عالم الخيال الجميل إلى واقع العمل في أكداس العقود. وعليه أودعكم مؤقتاً بوعد العودة قريباً.

بوابة إلى عوالم هي مجموعة يوميات وخواطر جابت في ذهن امرأة سورية هاجرت مع أسرتها للعيش في كندا وعاشت التباين الثقافي والحضاري بين المجتمعين وكذلك صدمة الواقع مقابل الأحلام الوردية التي يعيشها كل طلاب الهجرة إلى القارة الأمريكية، ثم دونتها في كراسة وسكبتها في قالب أدبي يتسم بالصدق والشفافية والموضوعية.

مواضيع ذات صلة