علاقة التخلف مع الاستبداد والقهر (الجزء الرابع-الأخير) محمود الجسري.

علاقة التخلف مع الاستبداد والقهر (الجزء الرابع-الأخير) محمود الجسري. عندما يفقد الإنسان كرامته و يتحول إلى أداة أو شيء في عالم القهر و التسلط يمر بثلاث مراحل شرحنا منها الرضوخ و الاضطهاد و سنتكلم عن المرحلة الأخيرة التي يمر بها المجتمع المتخلف و هي التمرد و العنف. العنف هو الوسيلة الأخيرة للمقهور عند عجزه عن وسائل الحوار فالعنف هو الوجه الأخر للقهر و الاستبداد المفروضين غصبا على ذلك الإنسان في المجتمع المتخلف. للعنف عدة أنواع منها العنف المقنع في مرحلة الرضوخ و يتمثل في إدانة الذات ، الكسل ، تخريب الممتلكات العامة ، التشنيع بالنكتة (و قد يتساهل المتسلط بشأن النكتة لما فيها من بعض التنفيس) ، الخداع و الاحتيال و غيرها. وهناك عنف رمزي يكون في خرق القوانين أو السرقة ويوجد عنف يتمثل في توتر وجودي وخوف عام و اضطهاد يتحول لتعصب عرقي و فاشية و لوم جماعات خارجية و يتطور لحقد نتيجة تراكم مزمن للعدوانية و انغلاق ثم قتال يغذيه المتسلط الداخلي و حليفه الأجنبي. وقد يتحول العنف لسادية سواء فردية أو مؤسسية في المجتمع المتخلف (حيث تمارس في جميع مؤسسات الدولة: جيش - شرطة – سجون - مدارس - مستشفيات الأمراض العقلية.…). يلاحظ أن العنف في الدول المتخلفة يوجه غالبا للداخل كقمع تمارسه السلطة بينما في الدول الصناعية فهو يتوجه للخارج. العدوانية هي آفة البشرية التي تحايلت كثيرا للتستر عليها أو تبريرها ولكن توكيد ذات المتخلف يتم من خلال انكار الأخر بالعنف وهذا يفكك جميع الارتباطات العاطفية و يطغى الحقد لدرجة انعدام الاحساس بالضحية و يتم القتل أوالإبادة بكل برود و لا مبالاة كأنه أمر تافه و قد يصبح القتل مبررا كضرورة لإزالة العقبات و إعادة الأمور لنصابها الصحيح بل قد يصبح واجبا من أجل بدء وجود جديد لا تعرقله الضحية في نظر المعتدي. في المجتمع المتخلف السلطة تخشى من المواطنية فهي تنزلها من الجبروتية الى مستوى اللقاء الإنساني الذي يتضمن اعترافا ومسؤوليات مشتركة متبادلة و بالنسبة للسلطة فلا يوجد علاقة تكافؤ أو ، حوار، بين السلطة والجماهير ، فهم مجرد أتباع و ليس مواطنين. و بذلك تبقى جدلية القهر و العنف. القهر الطويل من قبل المتسلط القاسي مولدا للقهر وهدر الإنسانية و العجز في معظم فئات المجتمع ثم تأتي ردة الفعل كعنف بمختلف وجوهه مفجراً أكثر درجات العدوانية بدائية و تدميرا و يصبح العنف تشفيا لا يعرف الارتواء لأن الجرح النرجسي النابع من القهر صعب الإندمال لترسخ صورة المتسلط في أنها لا تفتح السبيل لإنشاء علاقات إنسانية إيجابية و يتبع ذلك انهيار للانتماء الاجتماعي و فقدان أي التزام تجاه الاخرين. وضعية المرأة هي أفصح الأمثلة في المجتمع المقهور فهو يحرم الاعتراف بوجودها ككائن قائم بذاته، مقيدة في حريتها و قدرتها على الاختيار و تصبح أداة للانجاب و الامتاع. يفرض عليها قهر يحد إمكاناتها الذهنية و الابداعية و الاستقلالية و المادية. المرأة في الطبقة الفقيرة المقهورة هي أداة ولادة و في الطبقة المتوسطة تعاني من استلاب الذات عند محاولتها تقليد الرجل كنموذج للتحرر و الانطلاق وقد تخسر انوثتها دون أن تربح الرجولة أو تتذبذب بين انوثة و تنكر لها. أما في الطبقة الغنية فيحصل لها استلاب معنوي في كونها أداة ثمينة لاستعراض و لمفاخرة للأب أو الزوج و إظهار الجاه و الثروة لقد أفلتت من القهر المادي هنا و لكنها وقعت ضحية استلاب معنوي أو موت نفسي أبرز أعراضه الضجر الذي تحاول علاجه بمزيد من الاسراف و الظواهر و الاستهلاك. من المهم لحركات تحرير المرأة معرفة أن الاستبداد هو عدو المرأة الأول و هو مسبب رئيسي للتخلف و العنف.

مواضيع ذات صلة