علاقة التخلف مع الاستبداد والقهر (الجزء الثالث). محمود الجسري.

علاقة التخلف مع الاستبداد والقهر (الجزء الثالث). محمود الجسري. في الأجزاء السابقة عرفنا أن العالم المتخلف هو عالم فقدان الكرامة الإنسانية وتحول الإنسان إلى شيء أو أداة تعيش في عالم القهر التسلطي وسردنا مراحل واقع العالم المتخلف من رضوخ إلى اضطهاد ثم تمرد مع تفاصيل كل مرحلة. ننتقل للاستفسار عن عوامل التخلف؟ البعض يرى أن السبب هو قصور في التطور وافتقار لملكات ذهنية أو قصورعرقي وغيرهم يرى أن السبب هو انتشار الخرافة و كل هذا عبارة عن تحيزات وأحكام مسبقة غير صحيحة. وذكر البعض أن من الأسباب الرئيسية طبيعة المجتمعات الزراعية حيث الاعتماد على المحسوس والملموس وتحكم التقاليد والعجز عن السيطرة على الطبيعة وأيضا نفتقر للدقة هنا فيوجد مجتمعات زراعية وفي نفس الوقت منتجة صناعيا ومتقدمة. الجواب الحقيقي هو أن لب التخلف يكمن في أسباب اجتماعية سياسية ولها اتجاهين، أولهما سياسة التعليم و الثاني هو التسلط والقهر. في إشكالية التعليم تؤثر نوعية التعليم وسطحيته على المجتمع كله إضافة للطرق التلقينية والابتعاد عن التفكير الجدلي وعدم ترجمة أحدث العلوم، وأحيانا تنتقل الخرافات أو المعلومات الخاطئة خلال عملية التعليم في المجتمع المتخلف. أما التأثير الأكبر وسبب التخلف و يليه العنف ،كما سنرى لاحقا، فهو التسلط والقهر حيث تصبح الحركة الفكرية إثما يعاقب عليه سواء بالنبذ أو التصفية ويسيطر الجمود والتصلب الذهني واستلاب للنقد والتحليل. أما عند النظر في حياة التخلف اللاواعية فقد استنتج الدكتور حجازي التالي: - في وعي الإنسان يتناسب القهر والقمع الذي يتعرض له المقهور مع درجة القمع والعدوانية في اللاوعي. - التسلط والقهر يتحول في اللاوعي إلى سادومازوشية وهي خليط من السادية حيث الاستمتاع بتعذيب الأخرين والمازوشية التي هي التلذذ بالألم. المتسلط في موقع السادي والمقهور في موقع المازوشي وهذه علاقة مريضة بدلا عن علاقة التوازن والاعتراف المتبادل بين الناس. - أحيانا يسعى المقهور في اللاوعي لإيجاد توازن من خلال الهروب من صورة الأب القاسي (المتسلط) إلى الأب العطوف ويبدأ بالتفكير بالأبطال أو الأولياء أو الزعيم المخلص المنقذ وقد يساعد هذا في تخفيف القلق. - مأساة الإنسان المقهور في اللاوعي تفجر مأساة بدائية وهي القلق الطفلي من انعدام القدرة وعدم الإحساس بالأمن والخوف من هجر الأم. الحركات الدفاعية التي يتبعها المقهور لحل مأزقه ،خلال مراحل الرضوخ والاضطهاد، تتذبذب بين الانكفاء والتماهي وسيطرة الخرافة ثم تنتهي بعد تلك المراحل بالتمرد والعنف (يرى فانون أن العنف هو نتيجة حتمية للقهر). يتمثل انكفاء المقهور في التمسك بالتراث والدعوة للماضي (يشجعه المتسلط خاصة في جوانب التدين التي تؤكد سلطته وتسدل الستار على التحرر والعدل والحق). ويميل المتخلف المقهور لتقبل المصير والذوبان في جماعات مغلقة والتعصب لها. والبعض يبحث عن الحماية عن طريق التبعية للغير(ممن هم أقوى وأقرب للفئة المتسلطة). أما التماهي فينعكس في تقليد المتسلط وأحكامه وعدوانه وفي مرحلة الاضطهاد يصب المقهور جأم غضبه على الأخرين ويعشق السلطة والتعالي والاستعراض ويصاب بعقدة الوجاهة والمظهر ويتبنى قيم المتسلط ويتحول لكائن مزيف فقد هويته ووقع ضحية استلاب فكري وثقافي وعقائدي. وبالنسبة لسيطرة الخرافة فيلجأ البعض للهروب من الواقع إلى السحر والشعوذات وقراءة الطالع وغيرها من الأمور التي تعطي تفسيرات جبرية للمقهور مما يجعله يستسلم للواقع نتيجة عصور الظلم الطويلة. مما يميز المجتمع المتخلف في هذه المراحل النشاط الفمي حيث يأخذ الطعام في البلدان المتخلفة قيمة مبالغا بها ويصبح تعويض أساسي عن الإحباطات المتنوعة التي يعاني منها الإنسان المقهور في كل شيء. وإلى لقاء قادم في الجزء الرابع والأخير.

مواضيع ذات صلة