الحرية في الأحلام..بقلم هدى البني

بوابة إلى عوالم هي مجموعة يوميات وخواطر جابت في ذهن امرأة سورية هاجرت مع أسرتها للعيش في كندا وعاشت التباين الثقافي والحضاري بين المجتمعين وكذلك صدمة الواقع مقابل الأحلام الوردية التي يعيشها كل طلاب الهجرة إلى القارة الأمريكية، ثم دونتها في كراسة وسكبتها في قالب أدبي يتسم بالصدق والشفافية والموضوعية. الجزء التاسع عشر الحرية في الأحلام.. سؤال آخر يطرح نفسه في إطار الحديث عن الحرية في كندا: هل حقاً يستطيع المهاجر التخلي عن بيئته للتمتع بالحرية التي يريد؟ الجواب برأيي هو لا وألف لا. أستشهد على ذلك بقصة سمعتها مؤخراً عن ابنه أحد أئمة المساجد في المدينة: بعد أن تربت في كنف أسرة إسلامية وتعلمت في المدارس الإسلامية، أحبت شاباً علمانياً بجنون. لكي تكون إلى جانبه تخلت عن المبادئ التي فرضت عليها فرضاً منذ الصغر ولم تخترها يوماً بإرادتها. خلعت النقاب وانتقلت للعيش معه ومع كلبته الضخمة، فما كان من أهلها وأصدقائها إلا أن تبرؤا منها علناً إلى يوم الدين. ثم مل هذا الشاب منها بعد فترة وهجرها دون أي شعور بالمسؤولية أو تأنيب للضمير. وصارت هذه الشابة وحيدة من عالمها جميعاً ترجوا أهلها وأصدقاءها الرجوع إليهم بدون جدوى. أي حرية هذه؟ وكذلك، على أرض الواقع هل للمهاجر اختيار العمل وحرية التنقل والسكن؟ نظرياً، الجواب هو نعم، لكن عملياً المسكين ظروفه تحكمه وتلوي ذراعه. هو يعمل في الأماكن التي لا يرضى أحد العمل بها، يتقاضى أدنى الأجور وقد يعمل بشكل غير قانوني لتحصيل المزيد من المال أو للتهرب من دفع الضرائب. وإذا ما أراد التنقل بين المقاطعات للعيش فيها، يجد نفسه مكبلاً بالكثير من الارتباطات في مكانه الحالي منها عقد أجار الشقة السنوي، ومنها الأولاد في المدارس ومنها تكاليف النقل، ويجد نفسه أسير مدخرات بسيطة لا تكفيه وإجراءات معقدة تكبده مشقة كبيرة قد تكون بلا جدوى، فأي حرية هذه؟ لنعد إلى المنقبات حديث الصحافة اللواتي ارتدن عيادات الأطباء لترقيع بكارتهن. قبل أن نجلد هؤلاء الشابات بسوط ألسنتنا، أتساءل هل كان لهن من خيار أن يكن أكثر وضوحاً؟ بمعنى آخر، هل رغبن عمداً ارتداء ثياب العفة ثم غدرها؟ وهل خدم إجبارهن على ارتداء النقاب من قبل أهليهم وذويهم قضايا الإسلام والمسلمين؟ الكبت هو أحد المفاهيم المعاكسة للحرية. والنفاق هو أحد أكبر عواقبه الوخيمة. أن نقول مالا نفعل وأن نفعل عكس ما نقول. هذه الازدواجية -الآفة التي تعث في مجتمعاتنا العربية التي تنعت نفسها بـ" المحافظة" و تنهش في كل قيمها، و التي يسخر منها المفكرون. من مشاهد هذه الازدواجية هو أن أكثرنا ظاهرياً محافظون ومتمسكون بالقيم الدينية فيما بيننا، لكن عند المحك مع الأجانب نتباهى بأننا "موديرن" عصريون ومتحررون. نتماشى مع عاداتهم ونتقبلها بكل سرور وتسامح كالعناق والتقبيل والشرب معهم. كذلك في بلادنا المسلمة تبث وسائل الإعلام العربية الخبائث كلها على الفضائيات تحت اسم مواكبة العصر فتجعل شبابنا يشاهد بحرقة ما هو محروم منه وممنوع عليه. في كثير من العوائل المحافظة نجد الزوج والأب يتغزل بـدلع الفنانات وجمال أجسادهن أمام " حريمه" اللواتي يحرّم عليهن ارتداء ما يردن والحديث مع من يشأن. وللرجل في مجتمعاتنا الحق في أن يصادق ويعاشر ما طاب له من النساء، والحق في قتل أخته أو ابنته أو زوجته متذرعاً بحجة الشرف. الازدواجية التي تجعل رب الأسرة يصرخ بعلو صوته مطالباً بالحرية السياسية وحرية الرأي في الوقت الذي يركل فيه ابنه ويعنفه ضرباً لأنه لا يطيع الأوامر التي يفرضها عليه. الازدواجية في أن تضع الشابة حجاباً شرعياً حتى يظنها الآخرين تقية وعفيفة، ثم تذهب إلى صالون المزين جورج لكي يختار لها تسريحة شعر عصرية على ذوقه. للأسف يرفض الكثير من المهاجرين من بلادنا التخلي عن ازدواجيتهم بالرغم من عشرات السنين التي يقضونها في بلد الحرية. وفي الختام، لقد تعددت السيناريوهات والقصة واحدة: سماء الحرية لا تطال ولن تجد في أي مكان على الأرض مجتمعك الفاضل الذي كنت تحلم به، وسعادتك متعلقة بدرجة قبولك للواقع- أيها القارئ المحترم. انتهى دوامي اليوم وأنا سارحة في عالم الحرية. لم أتنبه للساعة، لكن زميلاتي ذكرنني بوجوب تحضير نفسي للمغادرة. " ما الذي تجدينه مغريا ًوجذابا ًهذا في هذه العقود حتى تنسي الوقت؟" سألتني إحداهن. أجبتها بابتسامة على وجهي، وفي نفسي رددت: هذه العقود المملة والعزيزة تفتح لي وحدي بوابات لعوالم لا حصر لها. ... يتبع في العدد القادم

مواضيع ذات صلة