الحرية.. في الأحلام بقلم هدى البني

بوابة إلى عوالم هي مجموعة يوميات وخواطر جابت في ذهن امرأة سورية هاجرت مع أسرتها للعيش في كندا وعاشت التباين الثقافي والحضاري بين المجتمعين وكذلك صدمة الواقع مقابل الأحلام الوردية التي يعيشها كل طلاب الهجرة إلى القارة الأمريكية، ثم دونتها في كراسة وسكبتها في قالب أدبي يتسم بالصدق والشفافية والموضوعية. الحرية.. في الأحلام بقلم هدى البني "الحرية هي آخر وأفضل أمل على وجه الأرض" ابراهام لينكولن* في مطبخ الشركة العصري، وأثناء تحضيري لقهوة الصباح، راجعت عناوين الصحف المحلية الموضوعة على طاولة الطعام. الأخبار المحلية والإعلانات ثم حديث الأسبوع الذي صدمني لدرجة أنني قد شهقت بصوت خافت! فضيحة العدد: ارتياد مهاجرات منقبات إلى عيادة نسائية خاصة بهدف إجراء عملية إعادة غشاء البكارة ضمن إجراءات التهيئة للزواج. ذكر الخبر بأن أطباء العيادة اتصلوا بالصحافة عمداً لفضح هؤلاء النسوة المسلمات وكشف المستور للعالم بأسره. هل صدمكم الخبر أنتم أيضاً؟ يا ما تحت السواهي دواهي! لكن لماذا يوجد هنا كل هذا النفاق في مجتمع العلمانية الذي يسمح لأفراده بتبني الدين الذي يقتنعون به؟ ولماذا تضطر هؤلاء النسوة " المتحررات جنسياً " لوضع النقاب؟ ألا يتمتعن بالحرية كغيرهن في بلد الحرية؟ طوال النهار، علقت عبر الأزمان والبلدان في دوامة اسمها الحرية يدور الحالمون بها ويدورون دون أن توصلهم إلى أرض ثابتة. بداية، ما هو تعريف الحرية؟ بعد جولة بحث طويلة بين المعاجم والقواميس والإنترنيت. استنتجت بأن تعريف الحرية وحده بحر عميق من المعاني تختلف من شخص لآخر، ومن عصر لآخر. مثلاً بالنسبة لطفل هي السماح له باختيار ما يريد من ثياب أو مأكل أو نشاط، وللبالغ هي أن يعيش حياته بالطريقة التي يريدها وأن يستطيع التعبير عن رأيه بصدق وأن يتحرر من القيود المادية والمعنوية. اجتمعت الناس عموماً في فكرة أن الحرية تعني العيش بلا خوف واتفق الفلاسفة بأنها مستحيلة التحقيق لأنه لا يوجد حرية مطلقة. عبر التاريخ وفي كل المجتمعات، الأقوياء وحدهم هم من يخطون حدود الحرية. ابتداء من الخالق الذي وضع لنا التشريع والضوابط. يعرف المؤمنون عاقبة من يعص الله مع اختلاف درجات إيمانهم. ويعرف المواطنون في كل بقاع الأرض قوانين بلدانهم وعقوبة من يخالفها. ضمن نطاق الأسرة الوالدان هما من يحددان حرية الأولاد في المأكل والملبس والخروج من المنزل باعتبارهما المشرفين على الأبناء الأحبة القاصرين. في مجتمعاتنا العربية والإسلامية يحتل الوالدان مكانة مقدسة في حياة الأولاد ويسيطران بموجبها على إرادتهم. أحد الأمثلة هو أن الأولاد البالغين يتزوجون بحسب رغبة الوالدين وقد تبلغ عقوبة من يعصي أو تعصي هذه الرغبة النفي من العائلة. كذلك حرية المرأة مقترنة بـ " إذن زوجها أو أبيها أو أخيها". الأقليات الدينية والعرقية خائفة من تهديد الأكثرية وبالتالي فهي ليست حرة. وإن لم تشاركني الرأي في هذه الأخيرة يا قارئي العزيز، حدثني إذن لماذا هاجر آلاف الأقباط من مصر منذ عقود وهم فيها تاريخياّ قبل المسلمين؟ ولماذا هجر يهود العراق أرض آبائهم وأجدادهم في منتصف القرن الماضي؟ ولماذا يطالب معظم الأكراد بوطن مستقل؟ أضيف إلى تعاريف الحرية واحداً استنبطته من الواقع، و أجده معبراً جداً عن استخداماتها في العالم العربي المعاصر: هي لفظة محرمة و أشد فظاعة من الكفر و الفحش و التنكيل بأعراض الناس ، لأن المتجرّئ على لفظها يعاقب أشد العقاب و ينكل بين ذويه سواء كان مواطنا يطلبها من الحكام، أو امرأة تطلبها من المجتمع، أو طفلاً يطلبها من الأسرة أو المدرسة، بينما يمر الجميع على غيرها من الانتهاكات الإنسانية و الدينية مرور الكرام، في بلاد يقتل فيها الإخوة بعضهم بعضاً و يستحلون الأعراض وينكلون بخيرة علمائهم تحت اسم المطالبة بالحرية. في الوقت نفسه، هي مفهوم مغلوط ومحير ولفظة محفزة يستخدمها المتآمرون والجهلة ببشاعة لإحداث فوضى عارمة في البلاد، يدفع ثمنها الجميع بلا استثناء. في فترة من الفترات شعرت بنفسي مخنوقة في بلدي من مجتمعي المنافق والأخرق فقررت الرحيل إلى العالم الجديد حيث حلمت أن أكون نفسي بحرية، وقد تحقق لي فيها بعض ما تمنيت، لكني اكتشفت بأنه ليس من مكان يستطيع البشر أن يحلقوا فيه بطلاقة العصافير! يتبع في العدد القادم

مواضيع ذات صلة