أومن.. الجزء الثالث بقلم هدى البني

أومن...

هاجرت هناء مرافقة لزوجها هرباً من الانقلابات المتكررة والمشاكل الداخلية في مصر في فترة الستينيات من القرن الماضي. وكان زوجها من صنف أشباه الرجال. فهو خائف ومتردد دائماً، تعوزه الحكمة ويتهرب من المسؤولية. أضاع مال الأسرة في صفقات تجارية خاسرة وغير مدروسة، ومات على أثر جلطة أصابته بعدما خسر آخر نقوده، وكانت وقتها ترعى ابنهما ذو الأربعة أعوام، ولم تجد في جيبها نقوداً تكفيها وابنها سوى لنهاية الشهر وكانت تعرف أن معونات الدولة لن تسد الرمق. نامت مفزوعة في اليوم الأخير، فأتتها رحمة من الله في المنام في رؤيا رأتها. كان والدها الحبيب يمسح على رأسها برفق وهي تبكي فوق فخذه و يقول: "الله كريم يا بنتي. قولي ذلك وسترين كيف سيفتح الباب". أفاقت هناء بتصميم جديد بعد تلك الليلة، بدأته بقول: "ياالله - يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم".

وضعت ابنها عند إحدى الصديقات، ثم نزلت إلى سوق الثياب المستخدمة لتطلب عملاً هناك. بضاعة مكدسة وثياب مكومة في كل مكان. لكن العمل لم يكن آنياً، فصاحبة السوق تريد أن تفكر وتراجع الميزانية. ترجتها هناء أن تقبلها في العمل فهي بأمس الحاجة إلى النقود. السيدة لم تكن مهتمة لسماع قصة أحزان فأسكتت هناء، لكنها من باب اللطف والإحسان قالت لها: " هاك هذه أكوام من الألبسة والأقمشة تبرع بها أصحابها للمحتاجين. خذي منها ما تريدين." ثم أدارت ظهرها ومضت. "ما أحتاج؟!" فكرت هناء قليلاً ثم حملت كل ما استطاعت من الثياب والقماش على سواعد امرأة لم تتعود الكد في حياتها. ثم غادرت إلى منطقة الميناء القديم لتعرض الثياب بسعر زهيد. وعادت إلى البيت محملة بزاد اليوم.

أعادت الكرة في اليوم التالي واليوم الذي بعده وفي الأسبوع اللاحق ومرت الأيام. ثم ضاقت صديقتها ذرعاً بالصغير الذي ترعاه وتطعمه بلا مقابل، فما كان من هناء إلا أن أخذت الصغير معها إلى مشوار الكفاح اليومي. كان ابنها يتسلى في الهواء الطلق، ويراقب العربات التي تجرها الخيول في الميناء، والسفن التي تسير في النهر. سأل أمه يوماً: ماذا هناك بعد النهر؟ فألهمها بسؤاله الساذج هذا عن الخطوة التالية التي يجب أن تخطوها في الحياة. قررت أن تعود يوماً مع أحد أصحاب العربات إلى مدينته لونغوي لاكتشافها، وهناك لاحظت هناء بأن القوة الشرائية أضعف بكثير مما هي في مونتريال، ففكرت بأن متجراَ للثياب والأدوات المستخدمة قد يكون حلاً للناس ذوي المدخول المحدود ولجيوبها الخالية.

لكن أجر أقدم المحلات أكثر بكثير مما تستطيع هي أن تحصل عليه، ففكرت بأن حنطوراً متنقلاً قد يفي بالغرض مبدئيا. وهكذا اشترت حنطوراً بالتقسيط، وصارت تدور به بين مخازن البضاعة في مونتريال والقرى البعيدة التي تحيط بها في لونغوي. أقسمت لي بأنها في زمهرير فبراير (شباط) كانت تتنقل بالعربة مع صغيرها الذي يرتدي الحذاء المتشقق. كانت تغطيه بجلد الخروف وغيره وتشد لجام الحصان بقوة ليجر قدميه الغارقة في الثلوج المتراكمة. الدولارات التي تتجمع في المساء كانت تنسيها تعب النهار ومر عامان جمعت فيهما النقود والأفكار الكافية لمشروع المستقبل. الولد سيذهب إلى المدرسة قريباً، ويجب أن تستقر. وهكذا صار عندها متجر صغير لبيع الأدوات والثياب المستخدمة في مدينة لونغوي. وأمضت السنوات العشرين بعدها في متجرها ومع ابنها الذي كان يساعدها في الصيف ويدرس بجد في الشتاء، وبعد تخرج ابنها من كلية الطب قال لها: آن الأوان لكي تسلميني راية الكفاح، وتلتفتي لنفسك يا أحلى النساء. التجم لساني لبرهة لكنني أردتها أن تكمل لي القصة فبادرت بتعليق " كم أنت قوية، كم أنت رائعة".

- الفضل لله يا ابنتي. هل تظنين أن أياً من الناس قادر على فعل شيء دون بركته؟ هو الذي يسخر الناس بعضها لبعض ويسخر الظروف. نحن نسعى وهو يدبر. - لكن ألم تفكري بالعودة إلى وطنك بعد وفاة زوجك، ألم يكن أجدر بك المكوث بين أهلك؟ - الكلام النظري سهل يا بنتي، لكن الواقع فرض أموراً أخرى شجعتني على البقاء، أولها مستقبل ابني، لم أجد له مكاناً أفضل من هنا. ثم هنالك الفارق الحضاري والفكري بين البلدين. أعني أن الإنسان يمضي للإمام ولا يعود للخلف، وكذلك بعد أن ذقت هنا طعم الحرية، واستمتعت بالعمل والرزق، كان من الصعب أن أعود لأطراف الإسكندرية ليحكمني أخوتي الأربعة بحكم العرف والمجتمع. - ألم تفكري بالارتباط مرة أخرى خلال كل السنين؟ - أجل فكرت، وكدت أقع في الفخ. أحد الرجال العرب الذين كنت أعرفهم فكر في أخذ محصول تعبي على الجاهز.

جاءني باسم الحب وبحجة أني امرأة وبحاجة إلى سند وحماية، وأشركته فعلاً في عملي وأسعده أن يدير العمل ويديرني معه. ثم اكتشفت نواياه وخاصة تجاه ابني، وعليه فسخت الخطبة وكل المشاريع المشتركة، ولا أسف. - لكن ألم تشعري بالضعف والوحدة والقلق؟ - الله معي دائماً، نعم المولى ونعم النصير. ثم جاء ابنها عائداً إلى البيت بعد أن تعشى مع خطيبته بعد العمل. سرني كثيراً أن أتعرف إليه لأنني وجدت في شخصه نسخة محدثة عن المعلمة الأم، فهو عصري و مثقف و متواضع جداً أيضاً. أوصلاني كلاهما إلى منزلي كرماً فأسعداني بمحادثات مختلفة أثناء الطريق.

عدت يومها باسمة وبروح جديد إلى زوجي وطفلتي التي اشتاقت لي بعد قضاء وقت طويل في الحضانة. في طريق عودتي إلى البيت، تذكرت وعدي لابنتي بشرح مفصل عن سؤال الصباح. استرجعت باسمة ذكرى شرح جدتي لي في صغري. كلما سألتها عن أمر يخص العقيدة أجابتني بـ" عيب هذا السؤال" و " لا تسألي يا صغيرتي لكن تعالي صلي". قبل النوم وبدل قصة المساء، ذكرت ابنتي بسؤالها عند الصباح وحكيت لها عن الله: " هو الخالق يا صغيرتي الذي يتكفل بنا جميعاً، يحبنا لأننا عياله، وهو أكبر من أن تستطيع عيناك رؤيته، وهو معنا أينما كنا يرانا ويسمعنا. لا يكلمنا بلسان لأننا لن نستطيع سماعه بآذاننا هذه، لكنه يرسل الرسل للناس ويخاطبهم عبر روعة خلقه.

صوته حي في قلوبهم وضمائرهم. ليس ذكراً ولا أنثى لكنه خلق كليهما كما خلق الحيوان والنبات، وهو نور السماوات والأرض، وهو عظيم فسعة الكون دليل على واسع قدرته. وضعنا على الأرض لكي نمجده ونفعل الخير ونحب بعضنا ونعيش بسلام، ولأجل ذلك أعطانا كل الموارد. نحن هنا في هذه الدنيا في رحلة. سنتركها يوماً وننتقل إلى مكان آخر، فإن كنا صالحين في الأرض أكرمنا الله، وإن كنا أشراراً عاقبنا ". - هل ستتركين الأرض بدوني يا ماما؟ - لا أدري؟ - لا تتركيني هنا لوحدي يا ماما.

أنا لا أعيش بدونك! - إذا ذهبت سيعينك الله ويتدبر بك – لا تخافي فهو الذي يسخرني لأرعاك ولن يتركك وحيدة. - لكني أريدك أنت إلى جانبي دائماً. أرجوك لا تذهبي وتتركيني. - إذاً يا صغيرتي ادعي الله حتى نبقى سوياً إلى أن أراك أماً! أنا أيضاً صليت ودعوت أن يبقيني الله على الأرض حتى تكبر ابنتي وحتى أنهي رسالتي في هذه الحياة، وأن يرشدني إلى الصراط المستقيم وإياكم.

"بوابة إلى عوالم هي مجموعة يوميات وخواطر جابت في ذهن امرأة سورية هاجرت مع أسرتها للعيش في كندا وعاشت التباين الثقافي والحضاري بين المجتمعين وكذلك صدمة الواقع مقابل الأحلام الوردية التي يعيشها كل طلاب الهجرة إلى القارة الأمريكية، ثم دونتها في كراسة وسكبتها في قالب أدبي يتسم بالصدق والشفافية والموضوعية."

مواضيع ذات صلة