أومــن بقلم هدى البني

أومــن بقلم هدى البني "الإيمان هو أساس الفضائل وسند العزائم في الشدائد ونور الأمل في الصدور وعماد الرضى وسكن النفوس إذا أوحشتها الحياة وعزاء القلوب إذا نزلت بها المصائب. " مقولة في الوعظ الديني لم أجد افتتاحية لهذا القسم من الكتاب خيراً من أغنية مشهورة لفيروز، أطربت أسماعي صباحاً عند الاستعداد للانطلاق إلى العمل: أومن أن خلف الحبات الوادعات تزهو جنات أومن أن خلف الليل العاتي الأمواج يعـلو سـراج أومن أن القلب الملقى في الأحزان يلقى الحنـان كلي إيمان – إيمان ـــ إيمان أومن أن خلف الريح الهوجاء شفاه تتلو الصلاة أومن أن في صمت الكون المقفل من يصغي لي إني إذ ترنو عيناي للسماء، تصفوا الأضواء، تعلو الألحان كلي إيمان – إيمان ـــ إيمان من هو الله؟ أين هو؟ ولم لا نراه؟ هل هو صبي أم فتاة؟ هل هو لطيف؟ كيف نعرفه؟ أسئلة كثيرة فاجأتني بها لأول مرة ابنتي ذات الخمسة أعوام ونحن في طريقنا إلى الحضانة. من عادتي أن لا أرتجل، لذلك وعدتها أن أجيبها في المساء لضيق الوقت، علي أن أجد الطريقة المثلى للشرح الطويل. استقبلها مني مدير وصاحب الحضانة اللطيف باسما. أثناء الطريق إلى عملي مشياً، استرجعت في ذهني قصة هذا المدير (أنام) التي حكاها لي في أحد الأيام. هاجر (أنام) إلى مونتريال قبل سنين عديدة حاملاً معه جراحاً عميقة من الماضي. نشأ في كازاخستان من أبوين مسلمين. الأب رجل متعصب جداً، فظ، غليظ القلب وسليط اللسان، والأم امرأة جاهلة لا حول لها ولا قوة. كان أبوه يؤمن بالقوة فحسب: اللسان والعضلات والسلاح. كان يعنفه وإخوته بشدة، ينهرهم إلى الصلاة نهراً. ذكر لي أن والده أدمى قدميه من الضرب بالعصا مرة وهو في الثامنة من عمره عندما كذب بخصوص الوضوء ثم فسد عليه أحد أخوته. وفي مرحلة البلوغ، كان مهتماً جداً باكتشاف صنف النساء مثل أي شاب آخر، غير أن أباه توعد له باللعنة وبجهنم كلما تابع نظره شابة حلوة. وعلى صعيد آخر كان أبوه في بيئة ومحيط يعتبرون أنفسهم بأنهم "مجاهدون"، وأن رسالتهم في الحياة هي محاربة الروس والكفرة، وأن أرواح هؤلاء الأخيرين يجب أن تحصد تقدمة لله ووسيلة تقرب إليه، وكانوا يتفاخرون بتفاصيل" الجهاد" الذي يقومون به على نطاق مجتمعاتهم الصغيرة. في هذا الجو، هرمت أم (أنام) بسرعة بسبب قسوة الحياة و زوجها الذي يكبرها بعشرة أعوام، و لم تعد تكفي احتياجاته، و باعتبار أن الشرع يسمح للرجل بأربع نساء، فقد اختار الأب شابة من صديقات ابنته الكبرى. ومع أن أنام يؤمن بأن كل نفس تموت حين يأتي أجلها، لكنه يحمل أباه مسؤولية موت أمه من الحسرة، فقد كانت زوجة مطيعة، أحبت زوجها بصدق وبعد عشرة وإخلاص السنين الطوال، آلمها أن تصبح مهجورة بالكامل وأن ترى من اعتبرته " ربان السفينة" وقائد الأسرة يلهث ليرضي شابة صغيرة. سمع (أنام) بالهجرة إلى كندا بعد وفاة أمه مباشرة فشد الرحال على الحال، وفي البلد الجديد تعرف على صبية مسيحية لطيفة من أصل كازاخستاني أيضاً، نشأت في أسرة أثمر عليها إيمانها بالبركة والسلام والسرور. صدم أنام بشدة عندما تعرف على والدها وانبهر بسماحته وعطفه على أسرته وأدبه مع زوجته. وكان هذا الأب داعية مسيحياً مؤمنا ومخلصاً " هذه بركة الرب يا بني، الرب الرحيم الذي أنعم علينا بالحياة والصحة والأسرة، وهذه بركة يسوع في قلوبنا، رسول المحبة والسلام". أمضى أنام ليالاً عديدة باكياً قهره. ثم تنصر وأحس بالسلام لأول مرة في حياته، ثم تزوج صديقته سناء، وافتتحا سوياً حضانة أطفال يعلمان فيها الحب والود والتسامح. يتبع في العدد القادم...

مواضيع ذات صلة