أتحدث إلى ابنتي عن الاقتصاد – الجزء الأول إعداد محمود الجسري

خلاصة كتاب أتحدث إلى ابنتي عن الاقتصاد – الجزء الأول

يانيس فاروفاكيس هو دكتور في علم الاقتصاد. يوناني – أسترالي قام بالتدريس في عدة جامعات و كان وزيرا للمالية و عضو برلمان في اليونان في 2015. يانيس ألف كتابا بعنوان: "أتحدث إلى ابنتي عن الاقتصاد" يعتبره رسالة لابنته الشابة ليشرح لها ما هو الاقتصاد و ما هي النقود و لماذا يوجد ظلم أو عدم مساواة في العالم إضافة لأمور أخرى سنحاول إلقاء الضوء عليها في الخلاصة التالية لهذا الكتاب الجميل.

يؤكد الكاتب أن الحديث عن الاقتصاد يجب تبسيطه حتى يفهمه الناس جميعا و اذا لم يستطع الاقتصادي الخبير فعل ذلك فهو ليس عالم ملم بالاقتصاد بحق. و يقول أنه كلما خف تعقيد هذا الموضوع كلما كان أقرب للحقيقة وهو يشجع كافة الناس أن تتكلم عن الاقتصاد بدون تحفظات فهذا مطلب للديمقراطية الحقيقية في المجتمعات. و يجب هنا التفريق بين الاقتصاد و السوق فالسوق هو مكان لتبادل البضائع أما الاقتصاد فيتطلب إنتاج وإدارة هذه البضائع. يعرّف الكاتب الاقتصاد ،بمعناه الأساسي القديم، بأنه قانون إدارة البيت و لكن بما أن معظم ما ينتج الأن يتم في مصانع ضخمة لتصديره لأسواق عالمية فهذا لا ينطبق عليه قوانين الاقتصاد البيتي بل الأدق - إذا أردنا - إطلاق اسم السوق أو قوانين السوق.

ينتقل الكاتب لسرد تاريخ الاقتصاد منذ بداية تطور الزراعة قبل حوالي 12 ألف عام وتحديدا عند بداية ظهور الفائض خاصة في الحبوب و المواد التخزينية الطويلة الأمد. هذا الفائض أدى لظهور و تطور كثير من الأمور منها: الكتابة (لكتابة حصص وحقوق المزارعين في المخازن المشتركة)، النقود (صكوك للعمال و أصحاب الحبوب تظهر مدى ملكيتهم أو حصصهم)، أنظمة الحكم والملك (جهة محايدة لتصديق الصكوك – كريديت باللغة اللاتينية تعني ليصدق)، الجيش (لحراسة المخازن)، الكهانة (لتثبيت الحكام و إقناع الناس بهم)، التقنية (أدوات الزراعة) و حتى الحروب البيولوجية(حيث أن ظهور البكتيريا في التجمعات الضخمة من بشر وحيوانات حول مخازن الحبوب وتأقلمهم معها ثم انتشارهم  وانتقال الأمراض المعدية المميتة معهم) إضافة لغيرها من العوامل.

ثم يشرح الكاتب الفرق بين البضائع (السلع) والأشياء الغير مسلعة أو التي لا ثمن لها فعلى سبيل المثال التبرع بالدم هو غالبا ليس سلعة للبيع وعندما تم تحويله لسلعة في بعض البلاد قل مقدار المتبرعين عن السابق و للأسف في خلال القرنين الماضيين تم تحويل الكثير من الأمور لسلع تباع  وتشترى بعد أن كانت غير ذلك ووصل هذا التسليع (التشييء) العالمي حتى إلى حليب و أرحام الأمهات. لكن لماذا تحولت المجتمعات التي لها أسواق إلى مجتمعات الأسواق وأصبح كل شي سلعة؟

عند تطور الشحن البحري تسارعت التجارة العالمية بشكل كبير و كان الصوف و الحرير و البهارات من أكبر السلع العالمية و ظهر طبقة غنية جديدة من التجار فأراد الإقطاعيين من الطبقة الغنية القديمة اللحاق بهم بسرعة وتحولوا لتربية الخراف من أجل الصوف و استغنوا عن الكثير من العمالة الزراعية التي أصبحت تبحث عن عمل وتتنافس لتبيع جهدها بأقل الأثمان و هذا ما حول تلك العمالة لسلعة بعد ان كان أغلبها بضاعة مملوكة (سواء عبيد أوعمال ضمن النظام الإقطاعي) و حول الأراضي أيضا لسلعة للإيجار لتربية المواشي و هذا ما بدأ بتسليع الكثير من الأمور بعد ذلك مما أدى لتناقض غريب بين الغنى الفاحش و بين المعاناة الجسيمة الجديدة لطبقات العمال و العبيد الذين تم تسريحهم و الاستغناء عنهم في ذلك الوقت. و زادت نسبة عدم المساواة بشكل أكبرعند عامة الناس التي تأثرت بعدم وجود عمل أو تحوله لسلعة زهيدة جدا.

من الملاحظات المهمة التي ذكرها الكتاب أن تطور الربح من القروض (الربا) حوّل السعادة بالمساعدة و مبدأ التعاون إلى عقد ربحي بحت وهذه الديون خلقت طبقة فاحشة الثراء و أغلبية مدقعة الفقر. مع الإشارة أن هذه القروض الربوية كانت محرمة في الكاثوليكية حتى أتت البروتستانتية و ساهمت في إباحتها لمسايرة الثورة الصناعية.

نتابع في الجزء الثاني ما يقوله يانيس عن البنوك و البنكيين و كيفية تأثيرهم في دورات الاقتصاد و توقفها و ما هي علاقة الاقتصاديين المعاصرين بالكهنة و المنجمين و السحرة في العصور القديمة؟

مواضيع ذات صلة